أرشيف الأوسمة: مقهى،قهوة،ذكوري،مجتمع،عاهرات،متدين،إمرأة،قمع،خوف،أنثى

في المقهى الذكوري

ينظر إلي من حافة عينيه. تلك الحفرتين السوداويتين الغاضبتين. غاضبتين من كل شيء ومن لا شيء. تجاعيد وجهه المحفورة كأثر جلاد الزمن تصرخ في وجهي ” إنه من الجيل الذي يهاب ألوان الربيع “. “أي جيل هذا؟” سألني صديق في أحد الأيام ، إذ انني افرط في إستعمال هاته العبارات. هذا الجيل يا صديقي هو جيل القيء والطاعون. هو جيل يخاف من كل ما هو جميل، يفزع كلما رأى وردةً تنبت وسط البراكي الآسنة. جيل يخاف الأنثى إلى حد الكره. هذا الجيل يا صديقي،جيل ذكوري،ذكورته كذكورة القرد،غير مكتملة. عقله في قضيبه الذكري، روحه مدفونة خائبة تقتل الأنثى وتصرف ثاء التأنيث لا محل لها من الإعراب.
لنعد لصاحب العينين الغاضبتين. في عقده السادس،ينظر إلي بخشونة،حاجبيه مقرونين وفمه ممتعص.يطل برأسه ليراني ويديره كلما لمحته. يلقبونه “الحاج” في الحي. جارنا الملتزم المتدين المتزوج من زوجتين منقبتين. أب لأربعة أولاد وإبنةٌ مصونة واحدة. يجلس قبالتي في مقهى الحي وينظر إلي وهو يزمجر من حين لآخر “لا حول ولا قوة إلا بالله” ! هل يعقل؟ كيف يعقل انني أنا إبنة صديقه الذي يصلي بجانبه في المسجد ويرافقه في الجلسات الدينية،أجلس بكل إنحلال في المقهى، أظافري مطلية وملابسي لصيقة بجسمي. كيف يعقل لبنت شريفة أن تجلس وسط الرجال في المقهى،ترتشف قهوةً سوداء مرة وتضع رجلا على رجل وتتصفح الجرائد البالية كأنها ذكر محترم. لا شك أنه يحمد الله في قرارة نفسه أن ابنته لا تشبهني البتة. فهي الأن بمنزلها معززةً مكرمةً. ابنته التي أجهل اسمها لكنني أعلم أننا من نفس السن. تضع ما يسمى بال”خمار”. لا تخرج إلا للضرورة وغالباً رفقة أخيها. تمشي مشرئبةً منكمشة كبلورة من الثلج يداعبها الريح الشتوي. خطاها صغيرة وسريعة، دائماً ما تمشي لصيقة الحائط أو على حافة الطريق،فوسط الطريق ليس للنساء. بل هو مفروش لجبروت الرجال وجلابيبهم ليمشوا بكل فخر وإحترام ويستعرضوا عضلاتهم وأسنانهم المكشرة. أما نحن،فلنا حاشية الطريق،نلتصق بالحائط حتى نصير وإياه ذاتاً جامدةً واحدة : لا حياة فيها.
لنعد إلى المقهى. بين جدرانه لا توجد ولا إمرأة واحدة جالسة لوحدها. جموع من الرجال مشتتة هنا وهناك. بعضهم يقرؤون الجرائد،وبعض آخر يستعملها كدرع ليتجول بعينيه باحثاً عن فريسة. آخرون يلعبون “الضامة” وآخرون يجلسون بصمت، يغرقون في دخان سجائرهم،أحياناً يدخنونها وأحياناً تدخنهم. كل النساء الموجودات مارفقات برجل،وغالبيتهم يدفعون لهاته الرفقة الليلية التي ستنتهي بأكثر من مجرد قهوة. فهاته المنطقة تشتهر بإنتشار ” بائعات الأحلام الليلية” كما يحلو لي أن اسميهن ومومسات كما يحلو لهم أن ينعتوهٌن. أنظر إلى فتاة بجانبي،فهي تصطنع ضحكةً وتنظر لمرافقها بشيء من الإشمئزاز والضجر.
وهو لا يكف عن الحديث بصخب. تهز رأسها من حين لأخر لتوافقه الكلام في حين أنها شارذة الذهن. يدخل المقهى رفقة ابنه الصغير، جارنا “المهندس” ، يراني ويدفع بإبنه ذا الخمس أو الست سنين ويهمس له “سير كلس حداها” . لم أزح نظري عن كتاباتي .أنضر إليه بحزم و اطلب منه الإنصراف لأنني “مشغولة” فأنا أدرك لعبته القذرة. لكنه يصر أن يدفع ثمن قهوتي ويطلب من النادل أن يمدني بكل ما أشتهي. يا لهاته الطيبوبة المفاجئة!! اشكره بأدب وأضيف انني لا أريد إلا “التيقار “. فينصرف عني. جارنا المحترم هذا يقفل الباب على زوجته في المطبخ ويتركها مع ابنتها ويخرج هو بحثاً عن أجساد القاصرات ليتنشوى بالخصر الشاب والقد المتمايل.
طبعاً فزوجته المسكينة عجوز صلاحيتها انتهت ، لا يعود لحضنها إلا ليسكت جوع بطنه. تجتاحني رغبة في أن اصفعه أو أصرخ في وجهه. لكنني لا أفعل. لا أعلم ما الذي يمنعني.
هذا المقهى صورة مصغرة عن مجتمع، مجتمع ذكوري، مجتمع التناقضات بإمتياز . هذا المقهى ملجأي،ملجأ غير آمن غالب الأحيان لكنه ملهم إلى حد كبير . مقهى أرى فيه بعض الأعين تتصفحني وتنعتني بالعهر وأخرى تتساءل لماذا أحمل دائماً قلماً وكتاباً وأخرى غرقت في شؤونها لا ترمقني.
” مادموزيل الدكتورة، بغيتي شي حاجة مازال ؟” يسألني صديقي النادل بإبتسامةٍ لطيفةٍ كعادته. فأرد عليه بإبتسامةٍ أخرى،أؤدي ثمن قهوتي وأعد بخطاي للمنزل

صورة

Advertisements