أرشيف الأوسمة: عاهرة،إمرأة،مجتمع،ذكوري،تمرد،أنثى

مذكرات عاهرة 2: عاهرة وأشرف من أشرفكم

“كاندير فيك التيقة   ابنتي،ماتدفنيش ليا راسي مع رجلي،عافاك أ ساينو!”

 

تنطق أمي،تنطق بعد صمت أكاد أجزم أنه دام قرون حتى! قرون من الحكايات الصامتة،قرون من همسات خطت بحبر سري بين تجاعيد النسوة. الصمت،موهبة تفننت فيها الأنثى،تتقن أسرارها ببراعة،تحيكها ليلة بعد ليلة وتتغطى بها كالجثة المدفونة. الصمت فلسفة انهزام اعلنتها حواء،وطبعت أسفل كراريس الإزدياد حين زغاريد النساء معلنة قدوم أنثى ملعونة لمجتمع ملعون. نطقت، في شيء يشبه الزفير،كصرخة مولود. صرخة حنونة،احاطت بي و ضمتني إلى صدر أم. أم ريفية شمالية لكنتها كلحن من الزمن الغابر،وصوتها الحنون يعلو فوق كل التأوهات ويترسم ملكاً فوق مئذنة من لا دين له سوى حضن أم. وحينها أدركت في قرارة نفسي أن كلماتها هاته ستحفر بصمت خندق بداخلي أهيم له كلما ملأني شوق وحنين لها،شوق سيكبر بداخلي كفجوة من الفراغ حين اغادر هذا الوطن. بضع أشهر قبل أن أحمل حقيبتي،وأجر خلفي سراب الأوهام والإنكسارات، سأوصد الباب خلف صدى أب يصرخ “اذهبي ولا تعودي قط يا عاهرة”

 

سأحاول،لا تخف،سأحاول ألا أعود قط،يا أب العاهرة. سأحاول أن اغادر زنزانة سجن يسمى وطن. ويقيني أنه لن يغادرني قط. فبداخلي وطن،وحين يخنقني وطنهم بريحه الهوجاء القاسية،أحن لوطن بداخلي،وطن رسمته بالطبشور وحميته من وحوش اليأس. خبأته بين ضلوعي حذفت منه الأسماء والإستعارات ومزقت كراريساً تصنف بنو البشر. وفتحته ملاذاً للجميع،ملاذاً لكل من فر من وطن كفر به وتخلى عنه هائماً دون هوية. فالهوية،هويتك أنت،صفحة بيضاء ضع عليها ما شئت من الأسماء وألصق بها ما وددت من الإستعارات واجعلها حلبة تراقص بين هويتك المضطربة المتجددة وإياك يوماً تجعلها ساحة معركة بينك وبين انسانيتك الضائعة. هويتك،ليست ورقاً ولا طابعاً إدارياً.هويتك،أنت بكل تجلياتك،فاحتفي بها وبجنونك الإنساني الحر. من أكون أنا لأحادثك عن هويتك؟ فهويتي أنا لخصوها في كلمة واحدة وطبطبوا على ظهري هامسين لا تتعبي نفسك في البحث فأنت عاهرة! “قحبة” لقب يتردد على مسامعي أكثر من إسمي. عاهرة أنا حين أتجرأ أن اختار،حين أكفر بصمت حواء المنكسر وأغني بفخر لي صوت ورأي وهوية. عاهرة أنا حين أتمرد على كل شهريار وأقص لحية أدم حين يتذرع بها ليسجنني. عاهرة حين أرفض و هم ألفوا الإيجاب والصوت الخافت الأنثوي

 

عاهرة أنا حين أعيش وفق مبادئي وأفكاري الشخصية المنتقاة وأرفض بتاتا أن أصير مجرد شبح أنثى أخرى تخلت عن نفسها حتى لا يقال عنها عاهرة. هيا،سموني كل الأسماء وعددوا الألقاب والشتائم فلن تصلو قط لمبتغاكم. بداخلي الهة سرمدية لا تموت ولا تنهزم،غنوا لي سمفونياتكم البشعة كأفكاركم ،فكار تهاب الجمال وتتعبد في محراب الكلاسيكية وتأبى أن ترى بعين الأنثى. عاهرة أنا،نعم أعلم علم اليقين انني سأظل دائماً عاهرة في أعين مجتمع أعمى يحاول أن يفقئ عيناي لألبس جلبابي في سكون وانظم للطابور حتى أصير فتاة محترمة. شكراً. خدوا عني احترامكم فلا يهمني سوى احترامي لمن أنا وما وجدت عليه. وقد علمت علم اليقين حين قررت أن اختار طريقي بنفسي أن أمشي عكس التيار والعب بالنار. لكني لطالما كنت طفلة شجاعة لعوب،تلعب بأعواد الثقاب حتى تكتشف، وكبرت لأصير عاهرة تلعب بالنار ولازالت تكتشف.

 

فاعذرني يا أبي،إن رفضت أن أكون ما أردت لي أن أكون. وقد قلتها أنت وسيقيئوها الأخرون من بعدك : قحبة.

 

وأصرخ قولي هذا وكلي فخر : “عاهرة وأشرف من أشرفكم!”

صورة

Advertisements