أرشيف الأوسمة: حرية، تمرد، إنصياع، مجتمع،أسرة،ذكورية،20 فبراير،ثورة،عائلة

قالت الأم للولد كل البطاطس، قال الولد أنا لا أأكل البطاطس

قالت الأم للولد كل البطاطس، قال الولد أنا لا أأكل البطاطس، قالت الأم للعصا اضربي الولد قالت العصا أنا لا اضرب الولد قالت  الأم للنار  احرقي العصا قالت النار أنا لا أحرق العصا قالت الأم للماء اطفئ النار قال الماء أنا لا أطفئ النار قالت الأم للثور اشرب الماء قال الثور أنا لا اشرب الماء قالت الأم للجزار إذبح الثور قال الجزار أنا لا اذبح الثور قالت الأم للحبل اشنق الجزار قال الحبل أنا اشنق الجزار قال الجزار أنا اذبح الثور قال الثور أنا اشرب الماء قال الماء أنا أطفئ النار قالت النار أنا أحرق العصا قالت العصا أنا اضرب الولد قال الولد أنا أأكل البطاطس.   فأكل الولد البطاطس. 

هاته السلسلة المترابطة لعبة طفولية كنت انشدها منذ نعومة أضافري. فكنت استمتع بشذوذها المتضاد. ثم كبرت بضع سنين وصرت حلقة متراصة داخل هاته السلسلة الكبيرة في مضمون آخر. ولبنة صغيرة من هرم مجتمعي ضخم. فأنا أيضاً منذ أن ازددت وأنا أؤمر ” بأكل البطاطس ” . أؤمر بالرضوخ والإنصياع للمجتمع وضوابطه، أؤمر بالإيجاب دائماً، بالسير في القطيع وإلتزام الصمت . وهكذا عشت مدةً من حياتي ، كغيري من المواطنين الصراصير أقبل بكل شيء ولا أتساءل عن شيء. أعيش كالميتة المنصاعة. كل هذا لأنتمي إلى مجتمع، لأعيش ضمن منظومته، لكي لا أحس بالغربة.
ثم جربت لذة الرفض. حملتني الأيام والصدف ، ليوم قررت أن أصرخ من أعماق عيشتنا المقهورة ” لا ” . ويا له من إحساس! لذة راقية أن أتحرر من القيود وأزف ثورتي،شعور لا يوصف أن أرفض الظلم واستقبل بكل جوارحي معنى كلمة صغيرة مركبة من حرفين،تحمل في طياتها تاريخ الإنسانية. لام وألف . كلمة خشيت أن تنطق بها المجتمعات الشرقية وخصوصاً الأنثى الشرقية. لكن حبالي الصوتية أدمنت على رنات العصيان، وألفت التمرد. فصرت والبحث عن الحرية ذاتاً واحدة. أدمنت أعظم مخدر، مخدر الحرية . أدمنت تكسير الأغلال وتدخين أرجيلة ألإختيار. فصرت متمردةً بكل رقي، تمردت على الأفكار والمعتقدات،تمردت على العقول المفحمة ، على الأموات والأحياء ، على الأرواح الفارغة وعلى قلوب تهاب ألوان الطيف. تمردت على مجتمع يقبر الجمال ويطمر الحياة. تمردت على حاكم يتربع بعرشه على جمجمة المواطن الصرصور. تمردت على أشباه ذكور برجولة قرد، على جبروت القضيب الذكري، ورصعت صولجان أنوثتي. تمردت على جسدي وحملته رفقتي في رحلتي الإستكشافية بحثاً عن عروس الحرية. فرفضت “أن أأكل البطاطس” لأنها مرة،لأنني لا أريدها ولا أحبها. عرفت هذا العصيان السلمي مع إبن اشترك فيه مع أروع أناس قابلتهم ” إتحاد التلاميذ والطلبة من أجل تغيير النظام التعليمي” . ومع سلطانة الغضب الشعبي ” حركة 20 فبراير ” . وأقولها بكل إعتزاز، لولا هاذين الأخيرين لما سكنتني روح المتمردة، ولما قررت يوماً أن أبوح بهاته الكلمات وأن أخط بألوان الشباب هاته الأفكار. لولاهما، لما صرت ما أنا عليه اليوم. وهكذا نعت بالزندقة والإنحلال. لأن الأنثى الحقيقية لا تجرؤ أن تصرخ وتتمرد بل تنصاع وتبتسم بهدوء.
غير انني والهدوء لسنا في إنسجام .فأنا صاخبة وأحب لحياتي أن تكون صاخبةً كضجيج أفكاري العاصية. فأعلنت زفافي من الحرية وقرعت على طبول الثورة وزغردت زغرودة التمرد. لكنني نسيت أن في الحضور تختبئ أسرتي المحافظة ( وبأسرة أقصد أبي فهو رب البيت حسب قاموسنا الشرقي وما نحن إلا عباد منصاعين) تناسيت هاته النقطة “الصغيرة” . إلى أن قرار الحبل أن يشنق الجزار وقررت عائلتي المحافظة -أبي- أن تشنق أحلامي. إلى أن حملتني اليومية إلى هذا اليوم، وأنا ارتشف قهوتي المسائية الأخيرة قبل رمضان. وبداخلي جنازة صغيرة هادئة تصلي على بحثي على الحرية و الإستقلالية. لأن جبروته الذكري في اسرتي قرر انني عاهرة زنديقة منحلة، وآن الأوان لأن أجلس كغيري من النساء العفيفات الطاهرات. أن التزم الهدوء وأتربع في منزلي. عندما أصبح بحثي الأناني عن الحرية لب المشاكل الأسرية، وعندما صارت عجرفتي المتمردة سبب شقاء عائلة بأكملها، ولأحمي صديقتي الغالية ،أمي، من البطش الذكوري المجرم : أقرر أن أتنازل.

نعم بكل أسى أعلن انني أتنازل عن بحثي الدائم عن الحرية.
أتنازل عن تمردي المستمر.
أتنازل عن أفكاري الصاخبة.
أتنازل عن النضال الشريف

ولن يبقى لي سوى قلمي وحبري لادمي للعالم جراح مجتمع يهاب ألوان الربيع، أملاً أن لا يصادر مني هو الأخر.
سأصير ما تريد لي أسرتي المحافظة أن أكون .
طاهرةً عفيفة هادئةً، لأنني أحمل مسؤولية الحفاض على تراصها.
إذاً سوف ” أأكل البطاطس ” . وساغادر الشوارع وانزوي، سأقبر زندقتي الثائرة وسأستسلم لما أرادوا لي أن أكون

 ( إلى أجل غير مسمى )

رمضان مبارك للأصدقاء المسلمين، وشهر يوليوز سعيد للأصدقاء الغير المسلمين .  صورة