أرشيف الأوسمة: جسد

مذكرات عاهرة.

الساعة تشير للواحدة بعد الزوال من هذا اليوم الشتوي الرتيب، يوم سبت، شاباط كما يدعوه أصدقاؤنا اليهود، يوم يقدسه أغلب من في العالم، ليس لسبب روحي، بل لأنه يوم عطلة. عطلة من روتين العمل والدراسة، عطلة من محافظنا الجلدية وربطات العنق الخانقة. بالنسبة لي لا فرق، فكل أيامي عطلة رتيبة من الحياة والوجود مذ توقفت عن الكتابة وعن العيش. أصبحت روحاً عفنةً في جسد فتي، أحاول أن أحيي جتثي الهامدة بسيجارة تلو الأخرى إلى أن أختنق. من ذخان السجائر ومن الهواء الذي يحيط بي. هواء وطن لا أنتمي له لا أنا منه ولا هو لي. هواء يمتص حياتي من بين عروقي ويعلقها بين معقوفتين، الأولى خائنة والثانية عاهرة. الوطن بشع. بشع حد القرف ككاهل مكرش حتى الرقبة، أسنانه مصفرة محطمة كسور أطلال منسي، وبلسانه الطويل العفن يتلاعب بعنقود عنب حلو كالطفولة. ينهش منه ويقذفه. وبين العنقود واللثة، أجدني مختبئة أنتظر دوري في الإعدام. الوطن قاعة إنتظار، ومحقق ذو شوارب سميكة جالس خلف مكتب على اليمين. الوطن إعدام، موت بطيء ومثثاقل، بارد، بارد إلى حد لا يوصف، عكس ما يكتبون على منشورات الفنادق الفاخرة، بارد كقلوب أبنائه. وقاسي ككسرة خبز. تتداخل الكلمات بالأفكار في سمفونية مزعجة داخل قرينتي المسكونة بجنون صامت. بينما الشتاء تغازل خصلات شعري وكوفية لاقت السلام على كتفي وبين نهدي ولم تلقاه في وطنها. توقفني سيارة الشرطة. الشرطة وما أدراك ما الشرطة في قاعة الانتظار هاته، يشير إلي الضابط أو المفتش فأنا لا أدرك الأسماء والمراتب لأنني أعلم أن ربطة عنق أو شارب أسود كفيلين بترسيم رجل خارق إلاهاً فوق جماجم البسطاء. ينظر إلي من خصلات شعري المبتلة إلى أخمص قدمي يطلب مني بطاقة التعريف، أبتسم وأجيب بهدوء لا أحملها فأنا ابنة الستة عشرة عاماً. ينظر لصديقه السائق ويقول بلكنة ساخرة : “حتى البرهوشات ولاو يتقحبنو” ثم يطلب مني أن أغادر المكان وينصرف هو. من هول الصدمة أقف دون حراك لبضع ثواني أو دقائق. تتضارب الأفكار بداخلي. “أنا قحبة؟” أجد نفسي أتسائل بصوت عالي غير مسموع. ربما؟! كل ما يحيط بي يشير على أنني عاهرة. فأنا أمشي لوحدي على حافة الشارع الرئيسي في يوم ممطر. أنا أمشي والسيارات من حولي تخترقني بأضوائها، تشير لي الأيادي بالركوب وبين زامر سيارة من هنا، وصوت خشن من هناك، وتصفيرة صاخبة من بعيد. أشك في كوني عاهرة. ربما أنا لست سوى عاهرة، فالعهر مرسوم بين التواءات جسدي، ومقرطنة على حلمة أذني. أو ربما عهري يختبئ في رغبة أبي بتغطية جسدي الشرير اللعين. وفي نظرات أخرى تعريني في الشارع. عهري في جسدي الذي لم يعد لي مذ مسه سكير وأنا في عمر الزهور، فأصبح ذاتاً مجردةً معلقة بين إديولوجية وشتات تقاليد وأعراف. جسدي ساحة معركة بين أقطاب الغرب والشرق، جسدي تاريخ يوشم بدمي المهرق رغماً عن أنفي. أنا عاهرة حين يضمني لصدره ويقول بفخر ورجولة إن رأى أخته بين ذراعي آخر سيقتلهما معاً. فهي إنسانة وأنا عاهرة فقط. أنا عاهرة حين أضع كعباً عالياً وقليل من أحمر الشفاه، أنا عاهرة حين ألبس حجاباً دون إقتناع وخوفاً من نظرات حيوانية. أنا عاهرة حين أشتهي أنثى مثلي وأتلوع بين شفتيها المزهرتين. أنا عاهرة حين أرفض الزواج ممن اختاروا لي. أنا عاهرة بكل المقايس. عهري مخطط بماء من ذهب على أسوار مدينة مجنونة والكل يراه سواي. كل ما يحيط بي يشير إلى عهري والكل يبدو مقتنعاً بهويتي هاته سواي. وأنا مقتنعة بكوني طير في قفص لا أكثر. أنا أشرف من أشرفكم. وحتى العاهرات أشرف من عهركم الفكري العفن، ولتشربوا البحار.
صورة

PHOTO BY SHADI GHADIRIAN

Advertisements