أرشيف الأوسمة: إعلام،مغرب،رمضان،برامج،مسلسلات،رداءة

افطار شهي، وفرجة مؤلمة

يرتفع صوت أذان المغرب،يلتف الجميع حول مائدة الإفطار. تصير الشوارع مهجورة كأنها لم توجد قط. يختفي أثر البشر،تخف أصوات الهرج والمرج. يرمي الأطفال بألعابهم ويتركون المرح وراءهم ثم يهرولون إلى المنازل واحداً تلو الأخر. لشدة السكون الذي يغلف جو المدينة الصغيرة ويتسلل بين كل زقاق وشارع أو ربما لشدة هشاشة جدران المساكن الجماعية،تنساب لأذني أصوات الأطباق والأواني الزجاجية تنتقل على الطاولات وبين الأيادي. تعم أصوات زقزقة العصافير في الحي، بعد أن وجدت فسحةً للغناء دون ازعاجات بني البشر. ترتفع أصوات التحية بين رجال يهرولون لصلاة المغرب بالمسجد لكي يعودوا لموائد فاخرة رصتها أيادي النساء بإتقان. ثم تعلو أصوات التلفاز بعد أن يختفي صوت الأذان. فتفيض علينا قنواتنا التلفزية الوطنية بسيل من الوصلات الإشهارية. اشهارات تصفعنا وتكلفنا الكثير. بين ممثل عالمي يتبرع علينا بكذبة رمضان الشهيرة “المغرب أجمل بلد في العالم ” مقابل 700 مليون درهم تخرج من جيوب مغاربة فنستصيغها بمرارة. تتبعها سلسلة من الوصلات الإشهارية تستفزني بتصويرها الدوني للمرأة. فتزين شاشتنا بنساء جميلات شابات رشيقات يبتسمن يغنين ويرقصن في المطبخ. ” اليوم نبرعهم بحداجة يديا ” يرتدين كل الألوان ويتجملن بكل الزينة ويطبخن ،يكنسن لأزواجهم المصونينٍ. يؤسفني أن كل الاشهارات تضع المرأة بين جدران المطبخ تارةً فترسم عليها صورة نمطية : الخادمة والزوجة المطيعة ، أو كجسد للعرض تارةً أخرى. بينما ولا إشهار واحد يظهر فيه، مثلاً،رجل وإمرأة كلاهما في المطبخ. اعذروا جهلي،فربما رسمت أعمال البيت منذ الأزل بإسم الأنثى. أليس الرجل كذلك يحتاج أن يطبخ وينظف ويكنس لنفسه ؟
ثم طبعاً إشهار تعمه الألوان والأهازيج والرقصات الهندية فتعمينا عن رصد ما يدور من حوار بين الشابة والشاروخان. فهي تطلب كشرط للزواج ” صالون ومطبخ نبين فيه حداجة يديا ” ويتلوه اشهار أخر يرسخ صورة الحماة العجوز “الشريرة” تتربص بزوجة ابنها لتكتشف إن كان قد أجاد إختيار طباخة ماهرة،عفواً،زوجة عفيفة. ثم تنهال علينا قنوات الصرف الصحي بكاميرا خفية، هدفها الأول طبعاً إمتاع المشاهدين ورسم الضحكات على وجوههم. غير أنها تضحك على قدرتنا العقلية وتفقدنا شهية الإفطار. كاميرا مفبركة وتمثيلية سخيفة لا افقة فيها صاحب المقلب من الواقع فيه. نتلذذ بمرارة ما نشاهد وبحجم سخافة المواقف فاعلامنا العزيز يخاطبنا بلغة البلداء. ومن المعروف أن من واجب الإعلام أن يكون صوتاً للشعب وتطلعاته. لهذا، تنقل لنا كاميرا القناة الثانية أراء الشارع في مواضيع تهم الشعب المغربي قاطبةً. فتطرح اسئلة معقولة ” علاش المغاربة كيخليو اللحم هو اللخر في الماكلة؟” وتزيد الطين بلةً في تشيئيها للمرأة كجسد بسؤال ” شنو بان لكم إلى جابو مدربة للمنتخب الوطني تكون شهبة وعينيها زورق ؟ ” وهنا طبعاً لا يبخل علينا العقل المغربي العبقري بإجابات متقونة من شأن ” إلى وليت رئيسة الحكومة غانقس من الحرية ونزيد من الديمقراطية “. وكل هذا نستصيغه بمرارة ونحليه بالشربة الرمضانية في إنتظار المسلسلات علها تفلح في اضحاكنا أو حتى إبكائنا، المهم أن تحرك فينا ساكناً ! فنضيع بين مسلسل يصور لنا مغرب لا أراه إلا في التلفاز. فليس بين واقع العبودية الذي تعيشه الخادمات وبين الواقع المزركش للخادمة “مينة” على قناة medi1sat إلا البر والإحسان. ننتقل بين فضائياتنا، فتختلف عناوين السلسلات وتضل الرداءة واحدة. ويستفزني هجومها الخطير على المرأة الذي يمر مرور الكرام، ففي إعلام يجب أن يقوم ويرقى بمستوى الفكر الشعبوي دون أن ينجرف عن واقعه، نجد حوارات مبتذلة ومعجماً مسيئا ” خاصها راجل يسترها راها مسكينة بايرة” . جملة تفوه بها أحد الشخصيات من مسلل يعرض على القناة الثانية ” دور بها الشيباني” . كأن المرأة العازبة فضيحة يجب سترها ومسكينة همها الوحيد البحث عن ذكر قوام عليها. ثم تكتمل الصورة بتصوير المرأة العاقر “كناقصة” وغير مكتملة الأنوثة. “نتي ماشي مرة نتي عاقرة” قنبلة خرجت من فاه شخصية من سلسلة ” بنات للا منانة” . وبين كل صور الشر المتجسد في الأنثى فهي أفعى وشيطان مارد. كأننا نحن النساء لا نعيش إلا لنقتات من لحم قريناتنا ونكيد لهن المكائد، وكأن جل مشاكلنا محصورة بين “الزواج” و-“الطلاق” و الحصول على “مول الدار” حسب منطق هاته السلسلة التلفزية. ورغم كل هذا، ننهي وجبة الإفطار ونقفل تلفزاتنا ومعها تختفي شهيتنا. فأحس انني صرت أغبى كلما تفرجت على قناة مغربية، وأن صيامي لن يقبل لأنني أفطرت على مخدر يسكر.

من أنا لانتقد أداء الإعلام السمعي البصري ؟

لست سوى ضحية من ضحايا هذا الصندوق. السحري الذي يخاطبني بلغة التكليخ ويستصغر من قدرتي العقلية على التفكير 
أرجوكم، لنطفئ تلفزاتنا ونشغل عقولنا قبل أن تذوب لشدة الرداءة 
صيام مقبول، افطار شهي، وفرجة مؤلمة  
صورة