الفراشة الصامتة – قصة قصيرة –

 

عندما تندثر الآمال  و تتدمر  كأوهام طفولية لم توجد قط. عندما تصير الضحكات والبسمات مجرد همسات تؤنس الليالي الوحيدة وحينما ترفع راية الاستسلام البيضاء لملك الليل : الأرق .

هنالك بين أشجان الدجى و تضارب المشاعر : يخلق الفنان !

كانت تجلس  على النافذة ملتفةً في فستانها الأسود الضيق كرقعة من الثوب على جسد دميةٍ   منسية. تشعل سيجارتها، كالبرج الشامخ بين شفتيها المكتنزتين تمص منهما الحياة . جالسة و  وحيدة،  شابة فتية ترمق بعينيها اللامعتين صور حي قديم يترامى بين أصداء مدينة عتيقة. سيارات أوروبية،شارع،شجرة،كرة،طفل. يبدو أن الزمن في بعض الأحيان يتوقف من تلقاء نفسه فنسير وسط دوامةٍ من الصور الجامدة.

تهيم بين سحب ذاكراتها وتتذكر أيام كانت تحمل لعبها الملونة،تلك التي كانت في الأصل لطفل أوروبي إبن عائلة فرنسية كانت أمها “مي طامو” تعمل لديها كخادمة .  

تحمل لعبها، وتخرج ضائعة بين أزقة”المدينة القديمة “، تتمرغ في الوحل،تنسج حوارات مع الدمى كتلك التي كانت تسرقها من أفواه نساء الحي حينما تجتمعن. وتضل تلهو،والبسمة لا تفارق شفتيها العذراوتين . 

ذات صباحٍ ربيعي، خرجت تجري لتلتحق بفتيات الدرب. بالمقابل، في مثل ذاك الصباح الربيعي قبل سنة بمعملٍ تشابهت آلاته بعماله، في نصف أخر من الكرة الأرضية، أختار صاحب المصنع النوع الأرخص  من خيوط الأحذية من أجل الربح السريع . لكنه لم يتوقع يوماً أن هذا ألاختيار سينعكس على براءة فتاة لا حيلة لها  في الجزء الأخر من العالم ويكون سبباً في انعراج حياتها للأبد، ويرسم جرحاً في ذاكرتها لا يندمل قطاً ! 

وصلت الذاكرة بها لحائط مسدود،فارتعشت فرائصها تقززاً ورمت سيجارتها . قطعت حبل  نوستالجيا الليل الرفيع و الأليم،صوت تنحنحٍ ذكوري يفتح الباب . انتفضت من مكانها مسرعة ، فالعمل لا يرحم !  

كان هزيل البنية،تلتصق عظامه بجلده المترهل. يجر خطواته بصمت مقزز . كل شيء فيه كان مقززا، ابتسامته، صوته، مشيته، صوت انكسار عظامه كلما أحاط بها. كانت تحس بأنفاسه حول عنقها الأبيض قبلها بوحشية فأحست كأنه مصاص دماء يمص الحياة من عروقها رمى بها على السرير القديم ذي الشراشف البيضاء. تدلى ثعبانه كجريح حربٍ عاتية،أغمضت عينيها واستسلمت للمساته الشبه الميتة تنتشي  من جسدها المثقل كأفروديت الإغريقية. يصدر صوتاً كعواء كلب كلما يصل لقمة نشوته المريضة . يطبع قبلة على شفتيها ويرمي بورقة نقدية ويغادرها . فتغمض عينيها وتعود لعالم النوستالجيا و الأشجان تخنق الغرفة بالسجائر تارةً! وكم تصير همسات الليل معاتبةً وقاسية ! تعصف بذوي القلب الشجين وتغتصبهم مراراً.

فقدت الإحساس بالوقت كعادتها، ثم انتفضت من أحلامها متذكرةً قرب الموعد الأخر. الزبون الفاخر،ذاك الشيخ السعودي ذي الكرش الضخمة والأسنان من ذهب . دخل الغرفة وصفع الباب بعنف وسرعة . نظر إليها وتمعن في طيات جسدها من أخمص قدميها إلى تلألؤ شعرها الأسود تحت ضوء الغرفة المصفر . ثم ارتمى على جثتها كما يرتمي القناص على فريسته. كان عنيفاً كعادته السادية،وكانت متطلباته مقززة. لكن ماذا عساها تفعل ؟ 

تصرخ ؟ ترفض ؟ فات  الأوان ! لقد اعتادت الصمت فصار يتراقص مع أوجاعها ويخنع للمهنة اليومية . تلك الليلة تخطى كل الحدود ، تجرد من الإنسانية ، ضربها ، أدماها ، ربط رجليها ، وكبل يديها ، طلب منها أن تقوم بأبشع الصور . ثم ختم مسرحيته الوحشية بفعل مهين، احتقن الدم في أوصالها، عندما تبول  عليها وتركها نصف حية وهو يقهقه بنشوة عارمة. ثم أرسل سائقه مراد يحمل أوراقاً نقدية  ، تركها تحت باب الغرفة وغادر مسرعاً . لم تستطع ان تغادر سريرها تلك الليلة ، فبعد كل تلك المذلة ، ضلت حبيسة مكانها،سجينة تلك القذارة . لازلت تحس بسائله الأبيض يلتصق بين فخديها ورائحة بوله تتخلل خصلات شعرها المبتل . ضلت ساعتين تحدق في الفراغ تنتحب أحياناً وتبكي بصمت أحيان أخرى.  الصمت . تلك الراحة الزائفة والحقيقة المخيفة . ذاك المعطف القاتل الذي التفت حوله منذ نعومة أظافرها. بكل ما أتيت من قوة حملت نفسها كجثة،ولجت الحمام،اطلقت الصنبور واستمعت لخرير مائه كزمجراتها الداخلية . بدأت تمزق فستانها بأسنانها ، صرخت ،زمجرت ، بكت ، اختلطت دموعها بالمياه الجارية ثم عادات لصمتها الخانق ، توجهت نحو المرأة،  افلتت رداءها وضلت ترقب جسدها الشاب . عجباً ! لازلت جميلةً ، لازال جسمها الأبيض كصقيع الثلج الباريسي . نظرت ولأول مرةً منذ سنوات لعينيها . نظرت اليهما طويلاً  لتدرك أن الإنسانية لازالت تقطن بؤبؤيها ! حقاً ؟ أهي فعلاً إنسان ؟ وأي إنسانٍ هذا الذي يقطن كالفأر في جحر؟ إنسان لم يعد ينظر أحد قط لعينيه ولم يتمعن أحد في وجوده ! هربت من نظرات عينيها ، فقد كانت تكشف أكثر من اللازم .

 فجأةً أحست بحنين للحبر والورق . كانت الكتابة بساطها السحري الذي يفر بها من أزقة ‘حي التقدم’  إلى عوالم أخرى ، حيث تجد نفسها، تنذر بحياةٍ أخرى، وتتجرد من الزمان والمكان فتحس بالنشوة ! ليست كنشوة زبائنها الذليلة ، بل نشوة حرة ، راقية !  ارتدت معطفها بسرعة وكعبها العالي . كانت  تكره الأحدية ذات الأشرطة وكيف ترتديها بعد ما سببت لها من ألم ! أخذت تتجول بين أحياء الرباط . تلك المدينة الساحرة صباحاً والطائشة ليلاً . بين أسوارها ، تحكى قصص عديدة وتخط بصمت صاخبٍ كتبٌ إنسانية لا مقروءة . تلتقي بعض المتشردين المنسيين كباراً وصغاراً . يعيشون تحت سقف النجوم ويتنفسون أوهام مدينةٍ قاسية. في تلك الأزقة تختبئ كل الأسرار ، يكثر النشالون ، الحمقى ، السكارى و”بائعات الأحلام “، كما كان يحلو لها أن تسمي  نفسها وقريناتها .   توجهت لوراقة ، اشترت عدداً من الأوراق البيضاء وقلماً أسود . أحست كأن هاته الليلة ستقيء صمتها على الورق . توجهت نحو الحانة التي اعتادت أن تقضي بها الليلي بحثاً عن زبائن. لكنها ذهبت لتحتسي بعض الكؤوس ولتفضي بمكنوناتها لقلمها . 

استقبلها إيهاب الساقي بابتسامة كعادته،ابتسامة عهدتها كلمسة أم حنون تخفف أوجاعها . جلست أمام المشرب . فأردف والابتسامة لم تفارق شفتيه”كالعادة؟”أومأت رأسها بالإيجاب . مد كأس الكونياك ونظر إليها متسائلاً ” ما بالك الليلة ؟ لا تبدين كعادتك ؟ ”  أجابت بعفوية ” قررت أن أنهي الصمت “تعجبت لإجابتها لم تفهم كيف خرجت تلك العبارة كقذيفة من شفتيها دون انذار ! نظر إيهاب للورق بين يديها وأجاب ” إذاً أتركك لكتابتك ” ثم توجه نحو زبونٍ أخر . ضلت ساعتين طوال وهي تخط كلمات تبدو كطلامس سحرية على وجه الورق . كأساً تلو الأخرة ، عانقت زجاجات الخمر روحها الفارغة . ثم انهت .. كأنما الحبر جف والحروف انقضت . نظر إليها إيهاب بتعجب وقال ” يبدو ان الصمت انفجر”بحركةٍ  لاشعورية وجدت نفسها ترتمي بين أحضانه وتطبع قبلةً دافئةً  على شفتيه ، ثم تدفع الورقة  له وتقول “أنت صديقي الوحيد،احتفظ بها”ثم تترك قبلةً صادقةً على خده وتنصرف بهدوء . 

خرجت تترنح بين الحيطان وتبدو لها الدنيا كأفق لا متناهي . فتتراقص كوردةٍ ربيعية وتغني كطفلة شقية . أخدت تقفز برشاقة وتهيم في قهقهات لا تنتهي،فجأةً وجدت نفسها بين أسوار ‘المدينة القديمة ‘، في نفس ذاك الزقاق. ارادت أن تعود ادراجها هاربةً ,لكن ,قد فات الأوان ! وجدت نفسها محاصرةً بنوستالجيا قاتلةً من جميع النواحي .  فكل شيء هناك  يهمس . تذكرت،ويا ليت النسيان يهيمن! تذكرت ذاك الصباح الربيعي المشؤم ، تذكرت حذاءها الأحمر الجديد ، تذكرت دميتها الشقراء . تذكرت يوم  كانت تجري بسرعةٍ لتلتحق بالفتيات انفلتت شرائط حذائها الرخيص وتمزقت،فسقطت متعثرة . أدمت جرحها ، وبكت كثيراً . ثم ظهر وحش ، شيطان مارد جاء من جحيم بعيد متنكر في زي ملاك . كانت تعرفه  ” الفقيه ” . ذاك الرجل الصالح التقي ، إنحنى وطلب منها مرافقته لمنزله ليطبب جراحها . رافقته متعثرة. الحيوان … لم يستطع حتى أن يكبت حيوانيته حتى البيت،ففي الزقاق الخالي  حملها وثبتها على الحائط ، أمرها بالصمت . حمل جلبابه بأسنانه ، وأدخل سلاحه الفتاك بين فخديها الضعيفين بدء يزمجر و يحدث أصواتاً لم تفقه فيها شيئاً. كانت تحس بألم خبيث يخترقها ، حاولت أن تصرخ ، فأمسكها من شعرها وألقى بها أرضاً،  مزق فستانها الأبيض واغتاله بحيوانية . ثم تركها بين دمائها  ، كان المها يفوق الاف المرات ألم جرحها الذي بدى بسيطاً . وجرحها الدامي لا يضاهي بركة الدماء حولها . ظنت أنها ربما تحتضر،لم ترى ذاك الكم الهائل من الدماء قبل . حمل دميتها،اقتلع رأسها ثم زمجر”إن لم تصمتي سأقتلع رأسك”يا القحبة” ! ارتعشت،خافت،نحبت بهدوء. ارادت أن تركض بين احضان أمها ، غير أنها تذكرت هاته الأخيرة توصيها أن تحفظ الكنز بين فخذيها فهو مستقبلها ، وإن فرطت فيه فستعاقب أشد عقاب ” ، تذكرت مينة ابنة الجيران التي طردها أباها بعدما فقدت ” كنزها ” فصارت متشردةً حمقاء تطوف بين الأزقة . ثم تذكرته يصرخ ‘قحبة ‘ ؛ فهمت أنها السبب فيما حصل لها . هرولت بكل قوتها هاربةً نحو المجهول ، يبدو أنها لازلت تهرول بعد سنين،الطفلة داخلها تدفعها للجري تماماً مثل ذلك الصباح بكل قوتها ، كسفينةٍ عاتيةٍ نحو البحر .  وصلت لشط البحر المظلم كذكرياتها الجوفاء  . كادت أن تجن: هل يعقل ؟! 

هل يعقل أن كل هذا خطأها ؟ ! بكت وتسلقت أعلى الصخر ، صرخت ، تحدت صمتها تقيء ما ضل بداخلها ألفيةً من الزمن . ثم كالريشة الخفيفة ، أحست بالريح تتخلل خصائل شعرها اللامع ، وهي تتذوق دموعها المالحة . أغمضت عينيها بهدوء ، وألقت بنفسها . أحست كطائرٍ حر حر … لم تفكر في شيء ، لم تحس بشيء سوى السكينة . 

أحدث سقوطها ، ضوضاءً أطربتها, فقد تسنى لها أن تكسر الصمت قبل أن ترحل للأبد. طارت مع النوارس فوقها ، استسلمت لذلك الزائر الخاطف الجميل وتسنى لها انذاك أن تبتسم …. وترحل 

هي ، خاضت سكرات الموت واندثرت . تركت وراءها ملايين الأخريات . هي ، قصة صامتة أخرى . نغمةٌ في سنفونية الحزن الليلي . هي انتهت ونسيت و تركت لنا نحن البحث عن الفراشات الصامتات 

لترقدي بسلام ، فنحن ، قتلناك ! 

لذكرى  م.ه ،التي اختارت أن تصمت بهدوء. ولكل الفراشات الثائرات ؛  دمتن صاخبات ! 

 صورة                            Photo by Shadi Ghadirian

 

 

مذكرات تلميذة الضلع المشترك

 
“مدرستي الحلوة مدرستي الحلوة فيها جنتي فيها تربينا …” على هاته الأنغام الطفولية غنيت براءة أحلامي تحت سقف المدرسة الخصوصية “الحلوة” . فبين ألوان جدرانها اللطيفة كألوان الطيف، غنينا ورقصنا وتعلمنا الأبجديات الفرنسية والإتيكيت الأوروبية . دروس الفرنسية صباحاً ، ومعلمة أمريكية الجنسية مساءًا تبتسم وتغني وتعلمنا التلاعب بالألوان و الأناشيد الإنجليزية . فكل هاته الكلمات المنمقة تخرج من جيوب أبواي ويؤديانها من عرق جبينهما الشهري . وبينما تقبلني المعلمة مودعةً فأركب حافلة النقل المدرسي وأحمل حقيبتي الصغيرة عائدةً للمنزل . وعندما أنزل بمساعدة المرافقة من الحافلة بهدوء ، تلتقي عيناي بعيني طفل بمثل عمري ينبش في المزبلة صباح يوم دراسي .ينظر لفستاني الجديد وخداي المحمرين بشيء من الغضب ربما ، أو كثير من اللاعدالة تسكن قلبه. لكنني لا أبالي ، بل أسرع متسلقةً السلالم للمنزل فعندي اناشيد لأحفظها ورسوم لأكمل تلوينها . أما هو فيحمل نفسه مهرولاً بعد أن يطرده حارس الحي . لنسمي هذا الطفل ” محمد ” أو “علي” أو “أمناي” ، أو ما شئتم من الأسماء فلن تكفينا ولو أكثرنا التعداد . يتزاحم هو في باب المدرسة الابتدائية العمومية ويتدافع مع اصدقائه كالبهائم المكدسة في باب صدئ صغير . يدق الجرس وهو لازال يركض لاهثاً في الساحة نحو القسم ، وهنالك يحس بقبضة المعلمة على قميصه و هي تصرخ “أين تأخرت ؟” ، لا تنتظر الإجابة بل تأخد أنبوبها البرتقالي الطويل وتطبع ضربتين على كفيه الصغيرين . فهي لا تدرك أن تأخره راجع لبحثه عن “الخبز الكارم” في القمامة حتى يبيعه ويشتري ‘ رايبي جميلة ‘ ببضع دراهم يربحها . يأخد مكانه بين زملائه الخمسة وأربعون بين جدران قسم يبدو كزنزانة مجرم . يجلس في صف محكم كالثكنات العسكرية .
جدران القسم مطلية بعضها بالأبيض والبعض الأخر بالرمادي. فربما كثرة الاختلاسات الإدارية قضت على ميزانية تجديد الجدران . فصارت قبيحةً دون معنى . تأمرهم المعلمة بإخراج الكراسة الصفحة 45 وتصرخ في وجوههم أن يقرأو بالترتيب . وتطلب من احدهم أن يقف في السبورة ليراقب القسم ويخط بالطبشور أسماء ” المشاغبين ” الذين جرؤوا على الحديث. تحمل هي كأس الشاي البارد من على مكتبها وتدق باب القسم المجاور لها لتبدأ أحاديثاً طويلة وثرثرة بائسة مع زميلتها المعلمة .
وهكذا تمر السنون ، ينمحي الطبشور على السبورة،تتغير التواريخ وتتوالى العقوبات على رؤوس تلاميذ صغار . وهكذا نقضي الطفولة هو ،في عالم الرمادي والأبيض ، الكراسات الممزقة والألعاب المصدرة . هو ، في المدرسة الإبتدائية العمومية . وأنا ، بين الألوان والأحلام ، الخشيبات والعجين و-900 درهم شهرية تخرج من جيوب أمي وأبي . لم أظن يوماً أن يلتقي العالمين وينصهرا .
لكن القدر – وهنا أقصد وضعية التعليم بمغربنا العزيز – يلعب أوراقه ليحملنا إلى السنة الأولى ثانوي أو الضلع المشترك حسب تعبير ” الوفا ” السيد الوزير المحترم . ثانوية متواضعة بمدينة صغيرة متواضعة . الج باب القسم مترددةً ، فأنا إبنة المدرسة الخصوصية التي توصلني أمي بالسيارة إلى باب الثانوية القصديري . فأنا “كيليميني” حسب تعبير زملائي في القسم . وهنا في تلك المؤسسة العمومية اكتشف الوجه الحقيقي للمنظومة التعليمية المغربية ، وأصادف الوجه الأخر للمغرب وأصادق جيل المستقبل ، ليس الذي يحلم ببناء ناطحات السحاب والوصول للقمر ، بل الذي يحصر طموحاته في الحصول على بطاقة كرتونية وشهادة تدعى البكالوريا حتى يندفع للعمل في الشرطة أو التزاحم في التكوين المهني . أما تاء التأنيث ، فهي تضع أحلامها بين كفي فارس الأحلام الذي سيظهر وراء مقود سيارة فاخرة ويغرقها بالورود وينقذها من الواقع المرير. 41 تلميذاً وتلميذة . صورة مصغرة عن المجتمع ، مجتمع الفقر والقمع والذل طبعاً . الشعبة الأدبية . عندما اخترت هذا التوجه كنت أتخيل أن التقي بمن تجمعهم بي نفس الميولات والطموحات . كنت أميل للنقاشات الفلسفية والتبادلات الأدبية . لكنني صفعت ؛ فدعوني أحدثكم عن الصورة الحقيقية. في فضاء تبادل المعارف والصبو نحو الثقافة والعلم ، نجد وكر بيع مخدرات . إذ أن 99% من زملائي الذكور يدخنون ويتعاطون المخدرات. بل منهم من يتاجر فيها، فهي ربما وسيلة للهرب من الواقع المرير .
” فالأول كاتكمي باش تعيق من بعد كيولي خاصك تكمي غير باش تقدر تفيق ” هكذا يحكي لي أحد الأصدقاء عن قصته مع الإدمان . طورت معجماً وثقافةً في هذه التجارة الخفية. تعلمت كيف يصنع “المعجون” وما تأثير “الكالة” وثمن “البيسطاس” . يلجون القسم كلهم تحت تأثير الكالة أو المعجون فبعضهم يقهقه كأنما التماسيح والعفاريت تدغدغه والبعض الأخر يسافر إلى عالم الأحلام . أما الفتيات ، فجلهن لا تطأ قدمهن باب القسم حتى تتجمل بكل ما أوتيت من زينة ، ثم تتعرض لكل أنواع الشتم والإهانة من طرف بعض الأطر الإدارية التي تنعتها بالفجر و العهر . أكثر الحصص إحباطاً هي حصص اللغات . ففي حصة الفرنسية تحاك نفس الحكايات . زملائي ، وتتراوح اعمارهم بين 16 سنة والإثنان والعشرون ، لا يعرفون الأبجدية الفرنسية . علماً أننا سنخضع لإمتحان جهوي في المادة السنة المقبلة يستلزم معرفةً معقولةً وتحليلاً لكلاسيكيات أدبية . تحاول الأستاذة أن تتواصل مع القسم لكن دون جدوى.
فكيف تشرح مسرحية موليير لمن لا يعرف الأساسيات اللغوية ولا يفقه كلمة واحدة مما تقول ( وهنا لا أبالغ ) فتكثر الطرائف المحزنة في هذا الباب .في أحد الأيام صرخت الأستاذة في وجه التلميذ “Avance” فحمل حقيبته وخرج يركض نحو الباب مزمجراً طلبت مني أن أؤدي ثمن التسبيق لتدرسني . نعم ، هذه ليست نكتة بل حقيقة محزنة . في ساعتي الفرنسية أو ساعتي الجحيم ، نفعل كل شيء إلا الدراسة على الرغم من كون الأستاذة تحاول . فالنصف ، ليس تحت تأثير المخدرات بل بسبب مخدر المنظومة التكليخية ، ينظر للأستاذة كأنما يتفرج على فيلم ياباني دون دبلجةٍ . تحكي لي صديقتي أن في المدرسة الإبتدائية ، كانت معلمة الفرنسية تطلب من تلاميذها تحضير المأكولات كل يوم حسب ما تشتهي والنقطة تكون مبنية على مدى رضاها بالأكلة. وطبعاً الأمهات المقهورات يجهلن حقوقهن فتحضر كل منهن وجبةً للمعلمة، ، إذ كاد المعلم أن يكون رسولاً.
وتحكي لي أخرى أن المعلمة تعطي مفاتيح بيتها لتلميذة وتطلب منها أن تنظف المنزل بيديها الصغيرتين وتكنس الشرفة وتغسل الملابس ، يعني كأي تلميذة مجدة ، حتى تحصل على النقطة . وطبعاً ، الأن في الثانوي يجب أن يقدم التلميذ تحليلات ل’فولتير’ و اتقناً للغة وتلاعباً بالعبارات ، أليس هذا بجنون ؟ كل هذا الغضب والحقد على نظام جعلهم في موقف لا يحسدون عليه ، يدفع بزملائي للإنفجار فيما يشار إليه بالتشويش على القسم فبينما الأستاذة تخط طلاميس غير مفهومةٍ على السبورة ، ترتفع الأصوات وتتعالى داخل القسم ” بيع ” “بالي” “جافيل” ، فنتحول بلحظة من الجدران الأربع لفصل دراسي بتمارة ، إلى سوق بساحة خميس زمامرة . تفقد الأستاذة اعصابها فتصرخ بوجه التلاميذ لتخرج أكثر من نصف القسم. وبعد أن يمروا من لعنات الحارس العام و تهديدات الطرد من المدير يتوجهون للشارع ، لشراء السجائر أو إفراغ حقدهم على فتيات الدرب في شكل تحرشات سوقية . لازلت أتذكر يوم قرر الجميع في القسم إحذار “الببوش” للفصل ثم اعلان سباق قمار ، فصاحب الحلزونة الفائزة يحضى ب-5 دراهم .
تتوالى الأيام وينتقل القسم من عالم لأخر ، من من حلبة صراع إلى سوق أسبوعي مروراً بصالون التجميل في بعض الأحيان . حين تقرر الفتيات في حصة اللغة العربية إستغلال عدم قدرة الأستاذة على ضبط القسم ، في تجديل شعر واحدة الأخرى،وضع مساحيق التجميل ، وبيع بعض قطع الملابس . وفي نفس الحصة السبت صباحاً ، بينما نصف القسم غائب والنصف الحاضر أيضاً غائب أو نائم . احضرت زميلتي في محفظة ،عادة تحوي الكتب ، إبريق شاي ، كسرة خبز وقليل من الزيت وتناولت وجبة الإفطار بكل هدوء على مقعد بالقسم على مرأى الأستاذة .نعم ، هذا القسم الذي كنت أحلم بالنقاشات الفلسفية به ، وتصدع الجدران بإنتقاداتنا للمجتمع . فهذه الفلسفة التي أريدها ، موجودة في شكل مطبوع دراسي ،و ساعتين أسبوعياً . نقضيها إن كان الأستاذ في مزاج جيد في نقاشات علمانية تنويرية أحياناً .
ثم نتبعها بحصة التربية الإسلامية المبنية على اديولوجية دينية محددة مع استاذة فقيرة في مادتها لا تربطها علاقة بما تدرس . فنجد أنفسنا متشردين ، بين مقررات اديولوجية وخطابات متناقضة . ولطرد الهواجس الفكرية يأتي دور حصة الرياضة. خلالها يلعب الذكور كرة القدم ، بينما نتجمع نحن الإناث للحديث وإفشاء الأسرار . كأنني اتفرج على مسلسل مصري للمغامرات العاطفية . كل تفضي بمكنونات صدرها بين حب عابر وذكرٌ رجولته كالقرد يتلاعب بمشاعرهن . بين من تحلم بالزواج بأجنبي ، وأخرى تحلم بالشيخ السعودي . بين من دفعتها أمها للقيام بفحص العذرية لأنها لمحتها تحدث زميلاً في القسم ، وأخرى خائفة أن تكون حبلى لأن عاداتها الشهرية ليست في الموعد . وداخل ” الملبس” أخدت إحدانا تنقش بالحناء للأخريات على أنغام موسيقى حفظت من اسمائها ” سلينا سلينا ” وأغاني أخرى تبكي الحب الضائع. وهنا كنا نستغل الفرصة للحديث عن الواقع والامه ، عن الفقر المدقع والحياة في دور الصفيح فلكل رواية تحكيها ، ولكل مغرب تعيشه . ومن موضوع لأخر ، أصبحت أحاديثنا تتطور من التعبير عن القهر وذل المعيشة ، فالقصص تتعدد ، أتذكر قصة حارس عام شاب شعر رأسه ، يتحرش بالتلميذات ويطلب “وقتاً خاصاً” مع كل من ارادت خدمةً إدارية . من السخط على عدم تكافؤ الفرص بين التعليم الخاص والتعليم العمومي ، إلى السخط من الحياة وماسيها . من أب متسلط يعنف أسرته إلى الرغبة في الإنتحار و”الراحة من بلد لا يطيقنا” كما تقول زميلة حاولت الإنتحار ، فكنا نلعب دور المساند و اليد الحنون .لن أنسى دموع صديقتي وهي تبكي حال أختها الصغرى، فهي تضيع أمام أعينها وتمر من نفس مسار المدرسة العمومية . وأخرى أكبر أحلامها أن تتعلم الفرنسية والإنجليزية . بين كلمات “سعداتك” التي أتلقاها كل يوم وتحز في نفسي اننا أبناء الأرض الواحدة ويجب أن توزع “سعداتك”علينا بالتساوي وعدالة إجتماعية ما أحوجنا لها في أهم قطاع يبني دولة حداثية : التعليم .
وبين زميلي الذي يصرخ في وجه الحارس العام أنتم السبب في مغادرتي الدراسة، بعد كثرت التقارير و- العقوبات التي تزيد الطين بلةً. بين كل الذين يأتون ليشغروا المقاعد فقط لأن عليهم أن يفعلوا ! فهم يكرهون الدراسة ، ويكرهون الحياة ، ويكررون ” ما الفرق ؟ البطالة سبيلنا جميعاً ” . بين كل هاته الصور المريرة لجيل المستقبل المتمدرس ، أسألكم ” ما الحل ؟ “. لأنني عايشتهم ، فهمتهم ، تقاسمت معهم . على الرغم من 56 ساعة غياب في الدورة الوحيدة المسجلة في سجلي ، لأنني بكل صراحةٍ أحس بالإحباط كلما الج باب المدرسة. لأنني وبالرغم من ذلك حصلت على 18 في المعدل ، لأن النقط ليست سوى حبر على ورق ، وبينما ثاني نقطة 12 ، نفهم لماذا وكيف . لأن والدي ميسورين ، فلا يتعلم في وطننا الحبيب، إلا من يحمل ” البينكا” ،فالتعليم سلعتنا الغالية . وأعيد التكرار في وجوهكم ” ما الحل ؟ ” هل الحل في تشديد الرقابة على تلاميذ البكالوريا أثناء إجتياز الإمتحان الوطني ، واهمالهم طيلة مسيرتهم الدراسية ؟ هل الحل ، حلول ترقيعية وتغييرات موسمية للمقررات ؟
ماذا عساي أعرف أنا ، لست سوى ذات الخمسة عشر سنة ، تلميذة بالضلع المشترك الأدبي و- ” يجب أن اشرب العلم والمعرفة قبل أن أحادث الكبار ” حسب تعبير مدير الثانوية. فاعذروني إن اقتحمت حبر الكبار . فهاته الكلمات برغم إنعدام فحولة افكارها وتراصها الأدبي تنقل لكم واقعاً عايشته ، واقعنا جميعاً . هذه السنة الدراسية انقضت أيامها . وستأتي أخريات تليها وتبقى المدرسة المغربية           العمومية على حالها
…ولا تانسو :  صورة“مدرستي الحلوة مدرستي الحلوة فيها جنتي فيها تربينا”

عفواً صديقتي , لن أزغرد في عرسك !

عفواً صديقتي لن أزغرد في عرسك

اعذريني يا صديقتي اعذريني إن رفضت أن أزغرد في عرسك ، أن أرقص في زفافك، وأن أفرح لسعادتك !

سعادتك ؟ دعيني أحدثك قليلاً  عن هاته السعادة 

صديقتي أنت قتلت في عمر الزهور .

صديقتي أنت استشهدت وشيعت جنازتك دون لحدٍ وبعيداً عن القبور !

صديقتي لقد زينوك ، عطروك وجملوك لتصيري دميةً رائعةً بين يدي سجان عظيم !

صديقتي ، سعادتك ؟

لازلت أتذكر ضفائرك السوداء المالحة ، ضحكتك البريئة وأحلامك الجريئة .

صديقتي أنا لم أنسى ، فهل تذكرين أنت ؟

ألا زلت تحملين ذكرى شبابنا الصاخب بين أزقة ضيقة نتبادل الأسرار ونتهامس الرغبات !

ألا زلت  تذكرين حلمك بأن تلبسي المأزر الأبيض وتغرزي الإبرة لتطببي الجرح لكنك بالخطأ غرزت إبرة سم في عروقك  وتركت أمانيك تتلاشى بين الوهم والحقيقة الزائفة !

كنت اجرءنا في الحلم والحب والشهوات الصيفية العابرة !

كنت اجرءنا في اللبس فكانت خطواتك الأنثوية تجذب العشاق كالريح الشتوية الصاخبة !

كنت تحلمين وتحلمين فلا تعودي قط !

وياليتك لم تعودي قط صديقتي !

صديقتي أنت الحالمة الثائرة ضد جبروث الذكر في مدينتك  الشمالية الصغيرة 

أنت تزفين لي خبر جريمة زواجك ؟ أنت ذات الستة عشر ربيعاً ، ربيعاً لم يزهر قط ولم يفوح شذاه

أنت تقتلين شبابك تخنقين الأماني وتصيري عصفورة سنونو صامتة مسجونة لدى شيخ عجوز !!

يا لخيبتي ! إشترتك الهدايا والأموال !

ويا لسخطي !

أريد أن ألقي اللوم على أحد ! أن اكتب بالخط الأحمر العريض” مجرم ” !

هل ألوم رغبتك في الهرب من جدران الفقر المدقع ، هل ألوم التهميش الذي قتل أحلامك وأسقط تغريداتك ؟ هل ألوم تقاليد ماتت ولازلت اشباحها تهدد حدائقنا الرناء ؟ 

هل ألوم أفكراً لم تساير موكب الحياة السريع ؟ 

هل ألوم أباً يرى في عذرية ابنته شهرية تطعم فاه ابنائه الأربع ؟

هل ألوم أماً لا حيلة بيدها، تحلم بالحناء على يد ابنتها ؟

هل ألوم عجوزاً يبحث عن اللذة في نهدين بلوريتين شابتين ؟ 

أم ألوم نفسي  لأنني لم أنقذك عندما كان باستطاعتي أن أفعل ؟ 

هل فهمت يا صديقتي تشعبات سعادتك المتداخلة ؟ 

فاعذرني إذاً عزيزتي إن رفضت أن أزغرد في عرسك henna-julie-orange-hands-4

الوطن أعدم طفولتي

قالت لي أمي ، مابالك يا بنيتي شيعت جنازة الطفولة قبل الأوان ؟ نظرت لمقلتيها المتوهجتين حناناً . وهمست ” وأسفاه ، الوطن أعدم طفولتي .”

.يا أمي ، من يعيش في وطن كافر لا طفولة له ولا شبابا ولا شيخوخة في هناء .
يا أمي ، وطني علمني أن اقرأ كل الحروف وأقيء الشعارات الهوجاء .

وطني ارغمني على ترك صديقات اللهو في ساحات الدرب وتحنيط دميتي البلاستيكية وتمزيق فستانها الأرجواني إرباً إرباً .
وطني حملني على الهجر قبل الأوان . وصرخ في وجهي ضعي رشوات الجارات صباح عيد الفطر ، وألعاب الصبى الشقي واحملي القلم لتفضي بجراح شعب مطمور .

وطني نشل من يدي قصص ألف ليلة وليلة وزودني بكتاب حروفه مسجونة وأفكاره مصادرة وقال لي آن الأوان لتكبري .

وطني كفر بأماني وأحلامي وصادر أفراحي ليربت على ظهري ويهمس آن الأوان لتكبري وتشبكي الأيادي مع الرفاق حاملةً رداء الثورة ومزغردةً لغد أفضل .

آن الأوان لتكوني تاء تأنيث ثائرةً غاضبةً لتصيري فورةً في وجه الطغات وبلبلاً منشداً في فجر الأماني .
وطني شيع جنازة طفولتي ووضع القلم بين أناملي ، أبعدني عن ثدي أمي وجلباب أبي وجرني نحو مسيرة صاخبةً كالكون ، الى يساري الرفاق ، وإلى يميني الإخوان وقال لي هيا فمعركتك قد بدأت .

إياك والإستسلام !

فبعض حنين وبعض إشتياق يدفعني لرائحة الزنجبيل على خبز أمي ، وشذى المسك على جلباب أبي لكنني جندية دون سلاح ، صادقت الشوارع وصرت زنديقةً ، حاملةً لأسمى القضية

 

صورةة

خطاب إمرأة عربية

خطابي لك أنت ، 

 يحمل بين طياته همس قرون مضت وتلاشت ! يصرخ أسرار ألفيات من الزمن حبيسة سجون تصدت وأدمت !

 خطابي خطاب أنثى قتلت ، وقاتلت !

خطاب لك أيها الفرعون العربي .

دعني أقدم نفسي ، أنا إمرأةً عربية ثائرة ، أنا إمرأة إكتحلت عيونها بفحم  جبروتك ومشطت ضفائرها السوداء بساطور تعنتك ولبست الشفاف من ثيابها رغما عن أنفك !

 أنا التي أخفيتني في سرداب بيتك العتيد المترامي ، أسسه تقاليد وعادات وأسواره خزعبلات في غير الجسد لا تراني !

  أنا التي جعلتني الجارية المكبلة الأيادي ! الصامتة الخانعة الراضخة بدون إختياري !

 أنا الوردة المثقلة بأشواكي ،المتسولة على  بابك العاتي !

أنا الصبح المشلول والعصفور الدامي !

أنا التي تفوح من كفاي رائحة التوابل العربية ، ومن خصلات شعري الحناء .

 أنا التي أسكتني بالسكين وكبلتني بالحبل والأصفاد وصرخت لي أن العالم ملك ذكوري وليس لرائحة ياسمين عطري مكاناً فيه .

 أنا التي نعتني بالفاسقة والفاجرة والعورة . أنا التي ألبستني رداء التخلف ووجدت لي مكاناً في منزلك قرب مغسلة مطبخك .

 أنا التي إحتفظت بي ككرسي خشبي وزينة تتباهى بها على أصحابك ذوي الكروش الضخمة والعقول المفحمة .

أنا التي كلما عبرت عن عذابي تطمرني ، وكلما أنشدت لحريتي  ترطمني . أنا التي فصلت رأسي عن جسمي وحنطته وتركته عبرةً معلقة على باب مدينتك لكل من تجرأت أن تعيش 

أنا التي ثارت وغضبت وصرخت وكسرت القيود !

أشهد أنني لم ولن أرضخ لأي فرعون عاتي

أشهد أنني سأصير جواداً عربياً أصيلاً لا يروضه أي طاغي ! أشهد انني لن أكتب للحب وأطرب للهيام ، وأجلس وأطبخ الملوخية لك وللولائم .

 أشهد انني سأحمل قلمي ، لساني ، فمي ، رمحي وسيفي وأخترق قصرك العالي

أشهد انني سأحشر أنفي في عالمك الذكوري وأحارب وألبس تاء الثأنيت بكل فخر وأرصع تاجي .

 أشهد انني بكل أنوثة وشجاعة سأتمرد على قبري وسأثور وأزغرد للجدات من قبلي .

 أشهد أنني رغم حماقتي سذاجتي بلادتي وعورتي ، سأتحداك أيها الطاغي . وسأضع الكحل وأزف ثورتي .

 أشهد انني إمرأة عربية ، وهذا خطابي.صورة

 

نوستالجيا إمرأة ؛ دون وطن

جلست ، ترتشف كوب قهوة مر، وتتفرج على المارة المجهولين ، كأنها تراهم من وراء حجاب ، يعزلها عن عالمهم ،فتتقوقع هي إلى جانب فنجانها و تلجأ مختبئةً بين الكلمات المتقطعة على جريدتها لبالية ! تنظر حولها ، وتستدير ببطء ، فتتراقص الأصوات وصور المحيطة بها  كأنها عرض لفيلم فرنسي كلاسيكي . تتحسر وهي تسمع قهقهات مجمع شباب حولها ، وتتألم حين تسرق نظرةً على العاشقين ولماساتهما السرية قرب النافذة ، ويسكنها بعض حنين وبعض إشتياق حين تسترق السمع لصوت شابةً تنشد بعذوبةً “عصفور طل من الشباك”  ! فتبتسم لأول مرةً منذ صبيحة ذاك اليوم الشتوي ، أو ربما كانت الإبتسامة حبيسة خيالها ، فقد تناست شفتيها العذراوتين معنى البسمة منذ مدة …. ! تتنهد  طويلاً ، كأنها تخرج باشمئزاز وبؤس ماعلق من حزن في تشعبات رئتيها ، وتتحسر ، تتحسر …  ! تتذكر ، وتغوص في حنين قاتل ، فتتذكر غدر الزمن ، وطعنات القدر، وخيانة الوطن ، خيانة الوطن …

ذاك الوطن البائس، فتلعن وتنقبض شفتيها ويتهجم وجهها ، وطن ؟ أي وطن هذا ؟  أهو تلك الزنزانة النتنة لتي قضت فيها نصف قرن أو ربما ألفيةً من الزمن ؟ أي وطن هذا ؟  صوت ثورة تدوي من وسط شوارع المدن الكئيبة ؟ أم الغد المجهول يجلى بعيداً  في أعين طيور الحرية ؟ أهي تلك لأيادي التي تخط الأحلام الوردية على أبيات شعر منثور ؟ أهذا هو لوطن ؟ أهي الكلمات الحرة وراء القضبان تتراقص على صوت صراخ المعتقل الظالم ! أم الوطن هي إمرأة تحمل الحطب لترجع ليلاً بيديها الداميتين وتقضي ساعة الدجى بين يدي رجل تمقته  و هي صامتة ، هل الوطن هو  أم هي ؟ أم هما معاً ؟ أم اللاشيء ، اللاشيء !

إذاً خانها اللاشيء ، خانها الوطن ، وجعلها منفيةً بعيداً عن أكاليل الياسمين و اللعبة المنسية ، خانها الوطن.

أبجديات مجنونة !

في بعض الأحيان حين أنهي آخر كتاباتي ، وأرسم آخر زخرافاتي ، وأبدع آخر كلامي المنمق وأرقص آخر رقصاتي ، أنزوي في غرفتي بعيداً عن الصخب وأرتشف كوب قهوة بارد ، أشعل سيجارتي وأضحك من أعماق قلبي ! أقهقه صاخبة ، فتدمع عيناي وتسأل روحي الضائعة عن ماذا ومن أكون ؟ أبتسم مستهزئة من صخبي المغلوط وكلامي الفارغ وخربشاتي الحمقاء وأهمس لنفسي المجنونة ألحانا من الوحدة والشجن وتطربني هي بنوستالجيا الأحلام الغابرة بين شقوق وهم وحقيقة ! عندما أنهي خطاباتي ، أضع حداً لنقاشاتي ، لضحكاتي ، عندما أترك خلفي رداء “الرفيقة” ، ولغة الخشب الصماء ، عندما أتخلى عن صراخ شارعٍ يدوي وجروح شعب يدمي ، أنزوي ليلاً بين كتابي وحبري ، فهو سلاحي ورمحي وأخط كلمات غير مفهومة على وجه الدفتر ، فأبكي وأفرح وأرقص وأحب وأكره ! بيني وبين حروفي الهامسة أسراراً أوسع من الكون ، أسمى من الحيوان الناطق وأرقى من خطاباتي الفارغة ! أبجديتي لي و أنا لها . أحبها ، وتفهمني بصمتFree_Arabic_Calligraphy_by_shoair