كل المقالات بواسطة sanaealouazen

رسالة مفتوحة إلى كل ضحايا الإغتصاب

رسالة مفتوحة إلى كل ضحايا الإغتصاب.

لأسباب شخصية رسالتي ستكتب بتاء الثأنيت،لكنها رسالة إنسانية موجهة لكل إنسان،وبالأساس لضحايا الإغتصاب من ذكر وأنثى.

عزيزتي،عزيزي.

قبل كل شيء،لست ضحية. أنت بطلة. أنت محاربة استطاعت أن تعيش،لا تنسي أبداً قبل كل شيء،أنك بالرغم من كل ما مررت به،قررت أن تعيشي.

رسالتي هذه ليست من متعاطفة،أو مدونة. رسالتي هذه أعمق من كل التسميات،أعمق من أن ألصق عليها عنواناً واتركها تائهة بين متاهات بريد لن يصلك قط. رسالتي هذه أوجهها إلى نفسي أولاً،وإلى كل اللواتي يعشن مثلي،مختبئات خلف قناع ” حشومة” .

عزيزاتي،رسالتي هذه من محاربة تشبهك في أدق التفاصيل،من أنثى عايشت ما عايشتيه،من أنثى ضاقت مرارة الحياة في مجتمع يغتصبك كل صباح.

رسالتي هذه من أنثى،أحست أيضاً بيدين خشنتين تتربصا بجسدها الضئيل،من أنثى في عمر الزهور،تعرفت على العضو الذكري،دون أن تختار لقياه. من أنثى إعترض طريقها،في المدرسة الإبتدائية ،أو في ساحة اللعب بين دروب مسقط رأسها .

من أنثى ارغمها على الصمت،من أنثى أحست بدم ساخن يتدفق من بين فخديها،من ذاك المكان المقدس الذي طالما أسروا لها أن تحميه بكل ما أوتيت من قوة. رسالتي هذه،من قلب كل القصص الإنسانية المسكوت عنها،أزهرت. أزهرت وردة أمل من بركة ماء آسن.

رسالتي هذه قد تكون بقلمي،لكنها روايات مسكوت عنها في قلوب الكثيرات،تطفلت عنهن واخترت أن اتحدث بإسمي،وباسمهن،وأن أقول لهن أن الأوان لتتحدثن عزيزاتي. بإسم كل ما عايشتمن من ألم ومرارة،أرجوكن تحدثن.

بإسم من خانها أقرب الناس،من يجمعها بمغتصبها دم القرابة أو ورقة إدارية عليها طابع يفرض عليها حبه. بإسم من لاقاها في زقاق،وتركها حبيسة لذكرى رائحة البول وصوته الخشن المتردد صداه بين حيطان ذاك الزقاق بالذات. بإسم من إقتلع رأس دميتها وأقسم على تحطيم أضلعها إن تجرأت إن تفتح فمها الصغير الكرزي اللون . بإسم من زفوها لمغتصبها درءًا للفضيحة.

بإسم كل ما يتردد على مسامعنا من اسئلة تدبحني،تخترقني كما اخترقني مغتصبي ” شنو كانت كادير هي تما؟” “اوى هي لي خارجة فالليل” “شوف شنو لابسة” “باينة كانت كاتعرفو” . بإسمها هي،التي رحلت عني قبل الأوان،حلقت حرة كالنورس،لأن المجتمع لم يترك لها فرصة عيش،لأن المجتمع أدمى بجراحها ولم يترك لها فرصة أن تتعافى .

لأن كل من تعرضن للإغتصاب ،يغتصبها المجتمع،يعريها،يقتلها كل يوم بوحشية أكبر. لأننا نغتصب كل يوم بالعبارات،بلمسات،بالهمسات،إلى أن يستشهد فينا فتيل أراد فقط أن يحيى حياته كالاخرين.

رسالتي هذه لأصرخ. لأنني تعبت الصمت،أهلكتني فلسفة النساء في الصمت والسكون.لأنه حين اغتصبني،كان يتأوه بكل حرية،بكل صخب،هو المجرم. هو المجرم الذي من حقه أن يعيش صخبه،وأنا،ليس لي سوى الصمت.

رسالتي هذه لكل من فكرت يوماً أن تقيم عدالة دموية،أن تقتلع بأظافرها ذاك العدو المشؤم،وحين لم تستطع،قررت أن تقطع صلة وصلها بهكذا حياة،فانتحرت،وتركتني،أهيم بين أن أعيش لأحكي قصتها،أو انضم لرقصتها الأخيرة بين السحب.

رسالتي هذه لكل من كرهت إلتواءات جسدها الأنثوي،لكل من رأت في نهديها بشاعة،وفي بكارتها عار على وجودها. رسالتي هذه لكل من قررت أن تموت وهي لازلت تنبض بالحياة،لكل من قررت أن تستسلم لهمساتهم القاسية.

رسالتي لكل من لازلت على أمل أن يتحدث بإسمها ملف مرمي في أرشيف دولة الحق والقانون.

ارتجف وأنا اكتب لك،لأنني أيضاً خائفة. على الرغم انني قررت أن أعيش،وأقاوم وأصارحك بقصتي،لازال بي خوف.

خوف تدركينه أنت أيضاً،كلما نظرت لتقاسيم وجهك على المرآة،كلما مشيت ليلاً في زقاق مظلم،كلما قابلت نظرات ذكر،كلما لامسك جسد غريب عنك. خوف اعترف أنه لازال يسكنني. خائفة أنا،وغاضبة. غاضبة حد الثورة،غاضبة عن صمتي،وعن كل من لقنني فلسفة الصمت،غاضبة من مجتمع يذكرني كل يوم انني ضحية،غاضبة من الرجل و من جسدي, من العضو الذكري وذاك السائل اللزج الذي تركه موشوماً على جثتي حين أنهى جريمته الشنعاء وتأوه بكل شهوانية. غاضبة أنا كل الغضب. وغضبي هذا يحركه تشبتي بالحياة.

عزيزتي،عزيزي،

أرجوك،أن تتذكري. أرجوك أن تتذكر،أنك لست لوحدك.

تذكر،تذكري وأنت تهيمن وسط الكوابيس الليلية،أنك لست وحيدة .

حتى وإن عشنا في صمت طوال سنين،نحن موجودين.

لازلنا على قيد الحياة،لازالت بنا رغبة في العيش تتحدى كل ما عايشناه.

تذكري وإن أمرت قصصنا مكبلة بقيود “حشومة” أن تعيش في قلوبنا، لا زالت تجري في فورة دمائنا،حاضرة بداخلنا. لن أحدثك عن النسيان،لن أقول لك أن تنسي وتكملي ما تبقى من حياتك كأن ما حدث مجرد كابوس .

فقد حاولت،وأدركت الا حياة في النسيان.

انما الحياة في التصالح مع الذات. تحدثي إلى نفسك أولاً،انظري صوب عيناك واصرخي : لست السبب. لست السبب فيما مررت منه. لا تحرمي نفسك من الحياة،أنت في كل تجلياتك، معجزة الحياة. تحدثي،حتى توقظي فتيل الأمل في كل الأخريات المسكوت عنهن. لكي تعيدي الحياة لفراشات صامتات،للنورس المسجون بداخلك وبداخلهن.

وإن لم ينصتوا،اكتبي،ارسمي،ارقصي. أحبي. أحبي نفسك،أحبي جسدك،أحبي الحياة فأنت معجزة الحياة.

عزيزتي لن أسميك ضحية،فأنا أمقت أن يلصق على ظهري تسمية “ضحية” مرفقة برقم ملف في خانة قضية عدل معلقة. أنا محاربة،بطلة،معجزة حياة.

وأنت كذلك. احتفي بنفسك. وإن اردتي الحديث عن قصتك و- تفجير هالة الصمت من حولك،اكتبي لي،حادثني،لأني احتاج لك،كما تحتاجين لي.

pedophilie

مذكرات عاهرة 2: عاهرة وأشرف من أشرفكم

“كاندير فيك التيقة   ابنتي،ماتدفنيش ليا راسي مع رجلي،عافاك أ ساينو!”

 

تنطق أمي،تنطق بعد صمت أكاد أجزم أنه دام قرون حتى! قرون من الحكايات الصامتة،قرون من همسات خطت بحبر سري بين تجاعيد النسوة. الصمت،موهبة تفننت فيها الأنثى،تتقن أسرارها ببراعة،تحيكها ليلة بعد ليلة وتتغطى بها كالجثة المدفونة. الصمت فلسفة انهزام اعلنتها حواء،وطبعت أسفل كراريس الإزدياد حين زغاريد النساء معلنة قدوم أنثى ملعونة لمجتمع ملعون. نطقت، في شيء يشبه الزفير،كصرخة مولود. صرخة حنونة،احاطت بي و ضمتني إلى صدر أم. أم ريفية شمالية لكنتها كلحن من الزمن الغابر،وصوتها الحنون يعلو فوق كل التأوهات ويترسم ملكاً فوق مئذنة من لا دين له سوى حضن أم. وحينها أدركت في قرارة نفسي أن كلماتها هاته ستحفر بصمت خندق بداخلي أهيم له كلما ملأني شوق وحنين لها،شوق سيكبر بداخلي كفجوة من الفراغ حين اغادر هذا الوطن. بضع أشهر قبل أن أحمل حقيبتي،وأجر خلفي سراب الأوهام والإنكسارات، سأوصد الباب خلف صدى أب يصرخ “اذهبي ولا تعودي قط يا عاهرة”

 

سأحاول،لا تخف،سأحاول ألا أعود قط،يا أب العاهرة. سأحاول أن اغادر زنزانة سجن يسمى وطن. ويقيني أنه لن يغادرني قط. فبداخلي وطن،وحين يخنقني وطنهم بريحه الهوجاء القاسية،أحن لوطن بداخلي،وطن رسمته بالطبشور وحميته من وحوش اليأس. خبأته بين ضلوعي حذفت منه الأسماء والإستعارات ومزقت كراريساً تصنف بنو البشر. وفتحته ملاذاً للجميع،ملاذاً لكل من فر من وطن كفر به وتخلى عنه هائماً دون هوية. فالهوية،هويتك أنت،صفحة بيضاء ضع عليها ما شئت من الأسماء وألصق بها ما وددت من الإستعارات واجعلها حلبة تراقص بين هويتك المضطربة المتجددة وإياك يوماً تجعلها ساحة معركة بينك وبين انسانيتك الضائعة. هويتك،ليست ورقاً ولا طابعاً إدارياً.هويتك،أنت بكل تجلياتك،فاحتفي بها وبجنونك الإنساني الحر. من أكون أنا لأحادثك عن هويتك؟ فهويتي أنا لخصوها في كلمة واحدة وطبطبوا على ظهري هامسين لا تتعبي نفسك في البحث فأنت عاهرة! “قحبة” لقب يتردد على مسامعي أكثر من إسمي. عاهرة أنا حين أتجرأ أن اختار،حين أكفر بصمت حواء المنكسر وأغني بفخر لي صوت ورأي وهوية. عاهرة أنا حين أتمرد على كل شهريار وأقص لحية أدم حين يتذرع بها ليسجنني. عاهرة حين أرفض و هم ألفوا الإيجاب والصوت الخافت الأنثوي

 

عاهرة أنا حين أعيش وفق مبادئي وأفكاري الشخصية المنتقاة وأرفض بتاتا أن أصير مجرد شبح أنثى أخرى تخلت عن نفسها حتى لا يقال عنها عاهرة. هيا،سموني كل الأسماء وعددوا الألقاب والشتائم فلن تصلو قط لمبتغاكم. بداخلي الهة سرمدية لا تموت ولا تنهزم،غنوا لي سمفونياتكم البشعة كأفكاركم ،فكار تهاب الجمال وتتعبد في محراب الكلاسيكية وتأبى أن ترى بعين الأنثى. عاهرة أنا،نعم أعلم علم اليقين انني سأظل دائماً عاهرة في أعين مجتمع أعمى يحاول أن يفقئ عيناي لألبس جلبابي في سكون وانظم للطابور حتى أصير فتاة محترمة. شكراً. خدوا عني احترامكم فلا يهمني سوى احترامي لمن أنا وما وجدت عليه. وقد علمت علم اليقين حين قررت أن اختار طريقي بنفسي أن أمشي عكس التيار والعب بالنار. لكني لطالما كنت طفلة شجاعة لعوب،تلعب بأعواد الثقاب حتى تكتشف، وكبرت لأصير عاهرة تلعب بالنار ولازالت تكتشف.

 

فاعذرني يا أبي،إن رفضت أن أكون ما أردت لي أن أكون. وقد قلتها أنت وسيقيئوها الأخرون من بعدك : قحبة.

 

وأصرخ قولي هذا وكلي فخر : “عاهرة وأشرف من أشرفكم!”

صورة

عزيزي المتحرش.

اصمتي! إياك والحديث! ألا تستحيين؟ استري نفسك. “بنات الناس” لا يتعرضن لهذا. هو رجل، ماذا تفعلين أنت  في الشارع ليلاً؟ ما هذا اللباس؟ لست سوى عاهرة!

Psst،عزيزي المتحرش رسالتي  هذه لك أنت.

 عزيزي المتحرش،رسالتي هذه لك أنت. عزيزي المتحرش،لقد صمت كفاية وأخرست رنات صوتي لكي لا أثيرك، و مسحت من على شفتاي أحمر الشفاه لكي لا أثيرك ولم أضع عطراً لكي لا أثير جنابك.  عزيزي المتحرش لقد دفنت كل معالم أنوثتي فأحرقت فساتيني وخبأت جواهري لأعانقها سراً كل ليلة بيني وبين حلمي.

عزيزي المتحرش،لقد أخفت من صوتي  وتلاعبت بحبالي الصوتية فصرت وهنةً ضعيفة،أقبرت ضحكاتي الصاخبة وأصمت  غنائي النشاز. وحاولت ما أمكن أن أكون عفيفة طاهرة .فأنت قلت لي أن قرط أذناي وكعبي العلي  هما السبب؟

 حاضر عزيزي المتحرش. أنت الامر وأنا العبد المطيع!

لكنني تذكرت حين كنت في عمر الزهور. لم أكن أضع قرطاي ولا الكعب العالي. كنت حافية القدمين  أجري بين الأزقة كقريناتي. وبي رغبة في الحياة وعفوية جريئة تقد الجبال. وبالرغم  من ذلك كنت تتربص بي في كل زقاق. وترمي على مسامعي كلمات لم أجد لها انذاك معاني. لكن نظراتك كالشيطان المارد ارعبتني وأفزعتني. فرميت بدميتي وتركت رفيقات اللعب في الدرب وعدت راكضة باكية لأحضان أمي. ربتت على كتفي وقالت لي لا تبكي واصمتي واحذري الرجل فهو كالوحش المفترس!

عزيزي المتحرش. لما لم تترك لي فرصة عيش طفولتي؟ لم سرقت من  بين أناملي عفويتي وصخبي؟

“احذري الرجل فهو كالوحش المفترس” فكبرت وأنا أحذرك. احذر من سهم نظراتك، احذر من سم كلماتك واحذر من ساطور لمساتك.  فأنت الذئب المحتال وأنا ليلى الضحية.

ولأحظى ببعض من الهناء قلت لما لا ألبس الحجاب؟ وارتدي جلبابي ولباساً فضفاض، وأدخل منزلي قبل أن يعم الظلام. فأنت قلت لي هكذا تكون المرأة المحترمة.

ووعدتني أنك لن تمسسني إن أنا إلتففت في حجابي، ومشيت على حافة الطريق ملتصقة بالحائط.  لن تمسسني إن مشيت مطأطأة الرأس لكي لا أثير غرائزك الرجولية التي يبدو أنها كرجولة قرد، ما هب ودب يوقظها.  وحتى وأنا تحت حجابي لم أجد راحة البال.فصرت ألقاك في كل زقاق،تارة عاطل يتسكع وتارة أستاذي بربطة عنق محترمة. ألقاك شيخ عجوز كما أصادفك طفلاً صغيراً. عزيزي المتحرش، لما لم تفي بوعودك؟

فأسررت لنفسي “مالك مصدعانا؟ عادي!”

فقبلتك جزءًا من حياتي وألفت تعليقاتك ونظراتك الحيوانية التي تعريني من خصلات شعري إلى أخمص قدمي . وأصبحت أغير من وجهتي كلما رأيت مجمعاً من الذكور وأراعي وجودك المحترم. وألبس الفضفاض من ثيابي وأسرع من خطواتي كل هذا من أجلك عزيزي المتحرش. ورغم كل هذا لا زلت تنبش من جسدي وأنا كالجيفة وسط الكلاب : صامتة ميتة عفنة.

ثم في أحد لقاءاتنا المتكررة في الشارع نعتني بالعاهرة. فتوقفت وصرخت أنا العاهرة؟  رغم كل ما ضحيت لكي لا أثير جنابك تنعتني بالعاهرة! فنظرت صوبك ومشيت بخطوات واثقة وعيناي لا تفارقا عينيك وقلت لك :أنت العاهرة.

أنت العاهرة حين تعريني بعينيك،أنت العاهرة حين تشيئني وتتبعني أينما ذهبت.أنت العاهرة لأنك من تعري عقلك العفن، ولست أنا.

فتركتك ثم انصرفت وقلت لنفسي : عزيزي المتحرش بها.

ارقصي،نعم ارقصي غني،اقفزي،اركضي. اصرخي ما شئتي ولا تصومي قط عن الحياة. بل ثوري تمردي يا عزيزتي عن هكذا مجتمع لا يعترف بحقك في الحياة. لا تستمعي لهم ولخزعبلاتهم فليس كل الرجال وحوشاً، و- لست أنت ليلى الضحية ولا عبداً خلف أسوارهم.  و اجرئي أن تقنعي نفسك كل يوم قبل أن تواجهي مجتمعاً قذراً : لست المخطئة، بل أنت الخطأ عزيزي المتحرش. وإن نعتك بالعهر فابتسمي وقولي لهم جميعاً عاهرة، وأشرف من اشرفكم. عزيزي المتحرش،أصمت حين أحادثك، وإحذر إن لقيتني يوماً في الشارع،سأنظر إليك وابتسم متحدية تخلفك. عزيزي المتحرش ،آن الأوان لتصمت أنت، وأتحدث أناصورة

مذكرات عاهرة.

الساعة تشير للواحدة بعد الزوال من هذا اليوم الشتوي الرتيب، يوم سبت، شاباط كما يدعوه أصدقاؤنا اليهود، يوم يقدسه أغلب من في العالم، ليس لسبب روحي، بل لأنه يوم عطلة. عطلة من روتين العمل والدراسة، عطلة من محافظنا الجلدية وربطات العنق الخانقة. بالنسبة لي لا فرق، فكل أيامي عطلة رتيبة من الحياة والوجود مذ توقفت عن الكتابة وعن العيش. أصبحت روحاً عفنةً في جسد فتي، أحاول أن أحيي جتثي الهامدة بسيجارة تلو الأخرى إلى أن أختنق. من ذخان السجائر ومن الهواء الذي يحيط بي. هواء وطن لا أنتمي له لا أنا منه ولا هو لي. هواء يمتص حياتي من بين عروقي ويعلقها بين معقوفتين، الأولى خائنة والثانية عاهرة. الوطن بشع. بشع حد القرف ككاهل مكرش حتى الرقبة، أسنانه مصفرة محطمة كسور أطلال منسي، وبلسانه الطويل العفن يتلاعب بعنقود عنب حلو كالطفولة. ينهش منه ويقذفه. وبين العنقود واللثة، أجدني مختبئة أنتظر دوري في الإعدام. الوطن قاعة إنتظار، ومحقق ذو شوارب سميكة جالس خلف مكتب على اليمين. الوطن إعدام، موت بطيء ومثثاقل، بارد، بارد إلى حد لا يوصف، عكس ما يكتبون على منشورات الفنادق الفاخرة، بارد كقلوب أبنائه. وقاسي ككسرة خبز. تتداخل الكلمات بالأفكار في سمفونية مزعجة داخل قرينتي المسكونة بجنون صامت. بينما الشتاء تغازل خصلات شعري وكوفية لاقت السلام على كتفي وبين نهدي ولم تلقاه في وطنها. توقفني سيارة الشرطة. الشرطة وما أدراك ما الشرطة في قاعة الانتظار هاته، يشير إلي الضابط أو المفتش فأنا لا أدرك الأسماء والمراتب لأنني أعلم أن ربطة عنق أو شارب أسود كفيلين بترسيم رجل خارق إلاهاً فوق جماجم البسطاء. ينظر إلي من خصلات شعري المبتلة إلى أخمص قدمي يطلب مني بطاقة التعريف، أبتسم وأجيب بهدوء لا أحملها فأنا ابنة الستة عشرة عاماً. ينظر لصديقه السائق ويقول بلكنة ساخرة : “حتى البرهوشات ولاو يتقحبنو” ثم يطلب مني أن أغادر المكان وينصرف هو. من هول الصدمة أقف دون حراك لبضع ثواني أو دقائق. تتضارب الأفكار بداخلي. “أنا قحبة؟” أجد نفسي أتسائل بصوت عالي غير مسموع. ربما؟! كل ما يحيط بي يشير على أنني عاهرة. فأنا أمشي لوحدي على حافة الشارع الرئيسي في يوم ممطر. أنا أمشي والسيارات من حولي تخترقني بأضوائها، تشير لي الأيادي بالركوب وبين زامر سيارة من هنا، وصوت خشن من هناك، وتصفيرة صاخبة من بعيد. أشك في كوني عاهرة. ربما أنا لست سوى عاهرة، فالعهر مرسوم بين التواءات جسدي، ومقرطنة على حلمة أذني. أو ربما عهري يختبئ في رغبة أبي بتغطية جسدي الشرير اللعين. وفي نظرات أخرى تعريني في الشارع. عهري في جسدي الذي لم يعد لي مذ مسه سكير وأنا في عمر الزهور، فأصبح ذاتاً مجردةً معلقة بين إديولوجية وشتات تقاليد وأعراف. جسدي ساحة معركة بين أقطاب الغرب والشرق، جسدي تاريخ يوشم بدمي المهرق رغماً عن أنفي. أنا عاهرة حين يضمني لصدره ويقول بفخر ورجولة إن رأى أخته بين ذراعي آخر سيقتلهما معاً. فهي إنسانة وأنا عاهرة فقط. أنا عاهرة حين أضع كعباً عالياً وقليل من أحمر الشفاه، أنا عاهرة حين ألبس حجاباً دون إقتناع وخوفاً من نظرات حيوانية. أنا عاهرة حين أشتهي أنثى مثلي وأتلوع بين شفتيها المزهرتين. أنا عاهرة حين أرفض الزواج ممن اختاروا لي. أنا عاهرة بكل المقايس. عهري مخطط بماء من ذهب على أسوار مدينة مجنونة والكل يراه سواي. كل ما يحيط بي يشير إلى عهري والكل يبدو مقتنعاً بهويتي هاته سواي. وأنا مقتنعة بكوني طير في قفص لا أكثر. أنا أشرف من أشرفكم. وحتى العاهرات أشرف من عهركم الفكري العفن، ولتشربوا البحار.
صورة

PHOTO BY SHADI GHADIRIAN

أعلن الكفر بصيامي.

أصوم…أصوم عن الحديث  وأكف عن الصراخ.

أصوم… أصوم بكرةً وعشيةً،أصوم بين أشعة شمس دامية وصراخ الدجى المهموس وأصوم عشرين ألف مرة أخرى. أصوم عن الصراخ المجنون كرضيعة دون حليب نهدين جميلين،أصوم مذ همست النساء زغروتةً خجولةً يوم ازددت أنثى وأصوم إلى حين زغروتاتهن الصاخبة حين زفوني له إمرأةً. أصوم إلى أن اندثر، أصوم وما يكفيني الصيام أصوم بالرغم عن أنفي وانتظر صوت الأذان طويلاً. أصوم إلى أن أتلاشى بين صخر الصحاري العربية والأشواك والقلوب المتحجرة.

أصوم إلى ألا اصير ولا أصبح،أصوم كشيء متناهي في الصغر والضألة،كالبرغوث المتربص بجيفة الكلاب.

أصوم وأصوم ولا قطرة ماء تسكر عطشي.

أصوم ولا يداً تطعمني ولا ريحاً تحمل في جوفها جديداً يطفئ ظمئي. أصوم.. أصوم واعتكف ليلاً عسى الجراح تمحى والأهات تنسى. أصوم عساي أجد ماهيتي التي أقرأها على تجاعيد النساء من حولي. أصوم عساني أجد في صيامهن إجابة تشفع غليلي،أصوم لألقى مرتبة حواء،تلك التي كتبت بإسمها اللعنات وخطت على جبهتها شذرات شيطان مارد ولم تفطر قط. أصوم لأصل مرتبتهن في الصمت والرضوخ وقليل من الهناء الزائف. أصوم وأقطع في روحي شهوة الكتاب وشغف الريشة وبعض حبر وكثير من الحروف. أصوم عن الصياح كالديكة والصراخ كالذئاب والجنون كالجندي بعد المعركة. أصوم عن صوتي وأسكته بكل قوتي،أصوم عن ثورتي وعن غضبي وكل ما ألقي على عاتق أنوثتي . أصوم لأصير منهن وأبلغ حكمتهن في الطاعة والسجود لشوارب أدم السوداء وجبينه المقرن وحذائه الخشن على أصابعها البيضاء كالحليب.

أصوم وأصوم وأصوم حتى الأن.

أصوم وكلي حزن وبي ثورية تموت في حب الحرية وتحلم الوصول للثريا وصقلها كالجواهر المعلقة على صدرها. أصوم عن نفسي وعن روحي الغاضبة غضباً صوفياً لا يقهر ولا يطمر. أصوم إلى أن تصفعني العظيمات إلى أن يغمرني عطر كليوباترا وخلخال كاهنة. أصوم إلى أن تسكنني أثينا الاغريقية بقوتها وتشهر سيفها في وجهي ووجه زيوس.أصوم وبي عزيمة كل المطمورات، عزيمة تهد الجبال طولاً وتطيح ألف حضارة وتبني ألفاً أخرى.

أفطر بكل فخر وأكفر بصمتك يا حواء وبهنائك الزائف  وأرفع رأسي بشموخ الأعلام وبي صوت يقول لي اصرخي، اصرخي يا عصفورةً. فأنت والحرية شقيقتين. اصرخي يا عصفورة لم تزرها الشمس قط، ولم تصل نغماتها فذبلت بين القضبان الحديدية الصدئة. اصرخي يا عصفورة رضيت بالرضوخ للحظةٍ فصام العالم عن حبها وأعرضت الحياة عن عناقها.

اصرخي يا عصفورةً فللصمت صوت، وللذل صوت، ولحواء أصوات أشد.

اصرخي يا عصفورةً وكفي عن صيامك،فأنت خلقت لتعتكفي ليلاً تحت قبة الحرية وتتعبدي بالكرامة والعزة والشموخ. فصومي عن الصيام وأفطري بعسل التمرد المحلى   بأرجوان الربيع

إعتكفي ولا تكفي عن الصراع.

فأنت حواء !

أنا ارهابية، ولكل ارهابه !

في كل زقاق يختبئ إرهابي أو ارهابية. يتربص بالحيوات ويتسلل بين الأزقة ليلاً. يجوب الشوارع بحثاً عن ضحاياه.
فينفجر. ينفجر حباً في الحياة ولوعاً في الوطن. يشنق بحبره كل من جرأ أن يدوس بأحذيته الخشنة أيادي البسطاء الممدودة. يخنق بفكره كل من كمم أفواه ايتام المساء الجائعة. يقتل جنود الماضي المتحجر واحداً تلو الأخر،ويتجسس لصالح أشبال المستقبل. المستقبل الساطع الذي ينبت من تحت رماد هذه الفوضى القاتلة. ذاك المستقبل الذي يخطو على جثت مرمية هنا وهناك، يدوس الجماجم ويحلم بجس نبض الحياة. في كل زقاق سينفجر إرهابي. سيجرم،جريمة عاشق مجنون لحبيبته. جريمة شرف ستخط بالأحمر العريض على زنزانته. جريمة مدرجة تحت ملف- 6-عاشق لهذا الوطن.
تهمة مخطط منظمة مزركشة. تلصق بكل من يجرؤ في هذا الوطن الأليم. لكل تهمته، فنحن في أعين القانون مجرمون مثبتةً ادانتنا منذ قدومنا لهذا العالم. تمر السنون، تختلف الأسماء وترمى ملفات في سلة مهملات الزمن. لكن جريمة الشرف بحب الوطن تبقى لصيقة أولائك الصعاليك. تزداد معهم،تتربى بين أضلعهم وتدفئ صدورهم.
في كل زقاق يزداد إرهابي. ينفجر بدماء حبر قلمه القاتل. قلم حر،يتفنن في إلقاء القبض على أصحاب الكروش المتخمة، والرقبات المخنوقة برباطات العنق. أصحاب لغة الخشب الميتة. أولائك المجرمون فوق القانون.
في كل زقاق يبدع إرهابي. يجرؤ أن يناقش، ويفكر ويخوض عوالم نخبوية.
هم يتفلسفون من أجل الشارع. هو يكتب بإسم الزقاق المظلم.
وكل ليلة تحتفل الحياة بقدوم إرهابي (ت) لهذا الوطن البئيس، رقعة القضبان الحديدية هذه. البعض منهم يخطون بسيل أقلامهم دموع الشارع،والبعض يرسمون على الجدران أصداء الغد الجديد. والأخرون ينفجرون على خشبة المسرح ليصرخو ارهابيون،لكن صامدون. ليغنوا قصيدةً حرة كالسنونو. كلهم فينا، ومنا. كلهم أبناء وبنات أزقتنا المظلمة النتنة. فلتسجنونا ما شئتم فلتكبلوا ما شئتم من الأيادي ولتقطعوا ما شئتم من الألسنة. سنولد من جديد، من كل درب سننبت رغماً عن أنوفكم. فنحن مجرمون فخورون،نجرم ما استطعنا، ننفجر ما استطعنا. فنحن ما ارادت لنا الحياة أن نكون: ارهابيون،صعاليك،بائعو مخدرات و زنادقة. فنحن الجيل الذي سيقلب عالمكم رأساً على عقب، من كل شارع سنولد، وبكل ما أوتينا من حب مجنون لهذا الوطن سنبدع ونصرخ ملئ أفواهنا. فلتقتلونا، اعتقلونا، شردونا، لكن أرواحنا الغاضبة سوف تطاردكم، وافكارنا الحرة ستسقي العطشان كندى الربيع. وإحذرو: كلما أتحتم بإرهابي ، إزداد 10 اخرون يسجلون على كراريس التاريخ أخطاءكم الفادحة.
بدأ العد التنازلي لجريمتنا المقبلة : فنحن مجرمون، ولكل من ارهابه  

في المقهى الذكوري

ينظر إلي من حافة عينيه. تلك الحفرتين السوداويتين الغاضبتين. غاضبتين من كل شيء ومن لا شيء. تجاعيد وجهه المحفورة كأثر جلاد الزمن تصرخ في وجهي ” إنه من الجيل الذي يهاب ألوان الربيع “. “أي جيل هذا؟” سألني صديق في أحد الأيام ، إذ انني افرط في إستعمال هاته العبارات. هذا الجيل يا صديقي هو جيل القيء والطاعون. هو جيل يخاف من كل ما هو جميل، يفزع كلما رأى وردةً تنبت وسط البراكي الآسنة. جيل يخاف الأنثى إلى حد الكره. هذا الجيل يا صديقي،جيل ذكوري،ذكورته كذكورة القرد،غير مكتملة. عقله في قضيبه الذكري، روحه مدفونة خائبة تقتل الأنثى وتصرف ثاء التأنيث لا محل لها من الإعراب.
لنعد لصاحب العينين الغاضبتين. في عقده السادس،ينظر إلي بخشونة،حاجبيه مقرونين وفمه ممتعص.يطل برأسه ليراني ويديره كلما لمحته. يلقبونه “الحاج” في الحي. جارنا الملتزم المتدين المتزوج من زوجتين منقبتين. أب لأربعة أولاد وإبنةٌ مصونة واحدة. يجلس قبالتي في مقهى الحي وينظر إلي وهو يزمجر من حين لآخر “لا حول ولا قوة إلا بالله” ! هل يعقل؟ كيف يعقل انني أنا إبنة صديقه الذي يصلي بجانبه في المسجد ويرافقه في الجلسات الدينية،أجلس بكل إنحلال في المقهى، أظافري مطلية وملابسي لصيقة بجسمي. كيف يعقل لبنت شريفة أن تجلس وسط الرجال في المقهى،ترتشف قهوةً سوداء مرة وتضع رجلا على رجل وتتصفح الجرائد البالية كأنها ذكر محترم. لا شك أنه يحمد الله في قرارة نفسه أن ابنته لا تشبهني البتة. فهي الأن بمنزلها معززةً مكرمةً. ابنته التي أجهل اسمها لكنني أعلم أننا من نفس السن. تضع ما يسمى بال”خمار”. لا تخرج إلا للضرورة وغالباً رفقة أخيها. تمشي مشرئبةً منكمشة كبلورة من الثلج يداعبها الريح الشتوي. خطاها صغيرة وسريعة، دائماً ما تمشي لصيقة الحائط أو على حافة الطريق،فوسط الطريق ليس للنساء. بل هو مفروش لجبروت الرجال وجلابيبهم ليمشوا بكل فخر وإحترام ويستعرضوا عضلاتهم وأسنانهم المكشرة. أما نحن،فلنا حاشية الطريق،نلتصق بالحائط حتى نصير وإياه ذاتاً جامدةً واحدة : لا حياة فيها.
لنعد إلى المقهى. بين جدرانه لا توجد ولا إمرأة واحدة جالسة لوحدها. جموع من الرجال مشتتة هنا وهناك. بعضهم يقرؤون الجرائد،وبعض آخر يستعملها كدرع ليتجول بعينيه باحثاً عن فريسة. آخرون يلعبون “الضامة” وآخرون يجلسون بصمت، يغرقون في دخان سجائرهم،أحياناً يدخنونها وأحياناً تدخنهم. كل النساء الموجودات مارفقات برجل،وغالبيتهم يدفعون لهاته الرفقة الليلية التي ستنتهي بأكثر من مجرد قهوة. فهاته المنطقة تشتهر بإنتشار ” بائعات الأحلام الليلية” كما يحلو لي أن اسميهن ومومسات كما يحلو لهم أن ينعتوهٌن. أنظر إلى فتاة بجانبي،فهي تصطنع ضحكةً وتنظر لمرافقها بشيء من الإشمئزاز والضجر.
وهو لا يكف عن الحديث بصخب. تهز رأسها من حين لأخر لتوافقه الكلام في حين أنها شارذة الذهن. يدخل المقهى رفقة ابنه الصغير، جارنا “المهندس” ، يراني ويدفع بإبنه ذا الخمس أو الست سنين ويهمس له “سير كلس حداها” . لم أزح نظري عن كتاباتي .أنضر إليه بحزم و اطلب منه الإنصراف لأنني “مشغولة” فأنا أدرك لعبته القذرة. لكنه يصر أن يدفع ثمن قهوتي ويطلب من النادل أن يمدني بكل ما أشتهي. يا لهاته الطيبوبة المفاجئة!! اشكره بأدب وأضيف انني لا أريد إلا “التيقار “. فينصرف عني. جارنا المحترم هذا يقفل الباب على زوجته في المطبخ ويتركها مع ابنتها ويخرج هو بحثاً عن أجساد القاصرات ليتنشوى بالخصر الشاب والقد المتمايل.
طبعاً فزوجته المسكينة عجوز صلاحيتها انتهت ، لا يعود لحضنها إلا ليسكت جوع بطنه. تجتاحني رغبة في أن اصفعه أو أصرخ في وجهه. لكنني لا أفعل. لا أعلم ما الذي يمنعني.
هذا المقهى صورة مصغرة عن مجتمع، مجتمع ذكوري، مجتمع التناقضات بإمتياز . هذا المقهى ملجأي،ملجأ غير آمن غالب الأحيان لكنه ملهم إلى حد كبير . مقهى أرى فيه بعض الأعين تتصفحني وتنعتني بالعهر وأخرى تتساءل لماذا أحمل دائماً قلماً وكتاباً وأخرى غرقت في شؤونها لا ترمقني.
” مادموزيل الدكتورة، بغيتي شي حاجة مازال ؟” يسألني صديقي النادل بإبتسامةٍ لطيفةٍ كعادته. فأرد عليه بإبتسامةٍ أخرى،أؤدي ثمن قهوتي وأعد بخطاي للمنزل

صورة

افطار شهي، وفرجة مؤلمة

يرتفع صوت أذان المغرب،يلتف الجميع حول مائدة الإفطار. تصير الشوارع مهجورة كأنها لم توجد قط. يختفي أثر البشر،تخف أصوات الهرج والمرج. يرمي الأطفال بألعابهم ويتركون المرح وراءهم ثم يهرولون إلى المنازل واحداً تلو الأخر. لشدة السكون الذي يغلف جو المدينة الصغيرة ويتسلل بين كل زقاق وشارع أو ربما لشدة هشاشة جدران المساكن الجماعية،تنساب لأذني أصوات الأطباق والأواني الزجاجية تنتقل على الطاولات وبين الأيادي. تعم أصوات زقزقة العصافير في الحي، بعد أن وجدت فسحةً للغناء دون ازعاجات بني البشر. ترتفع أصوات التحية بين رجال يهرولون لصلاة المغرب بالمسجد لكي يعودوا لموائد فاخرة رصتها أيادي النساء بإتقان. ثم تعلو أصوات التلفاز بعد أن يختفي صوت الأذان. فتفيض علينا قنواتنا التلفزية الوطنية بسيل من الوصلات الإشهارية. اشهارات تصفعنا وتكلفنا الكثير. بين ممثل عالمي يتبرع علينا بكذبة رمضان الشهيرة “المغرب أجمل بلد في العالم ” مقابل 700 مليون درهم تخرج من جيوب مغاربة فنستصيغها بمرارة. تتبعها سلسلة من الوصلات الإشهارية تستفزني بتصويرها الدوني للمرأة. فتزين شاشتنا بنساء جميلات شابات رشيقات يبتسمن يغنين ويرقصن في المطبخ. ” اليوم نبرعهم بحداجة يديا ” يرتدين كل الألوان ويتجملن بكل الزينة ويطبخن ،يكنسن لأزواجهم المصونينٍ. يؤسفني أن كل الاشهارات تضع المرأة بين جدران المطبخ تارةً فترسم عليها صورة نمطية : الخادمة والزوجة المطيعة ، أو كجسد للعرض تارةً أخرى. بينما ولا إشهار واحد يظهر فيه، مثلاً،رجل وإمرأة كلاهما في المطبخ. اعذروا جهلي،فربما رسمت أعمال البيت منذ الأزل بإسم الأنثى. أليس الرجل كذلك يحتاج أن يطبخ وينظف ويكنس لنفسه ؟
ثم طبعاً إشهار تعمه الألوان والأهازيج والرقصات الهندية فتعمينا عن رصد ما يدور من حوار بين الشابة والشاروخان. فهي تطلب كشرط للزواج ” صالون ومطبخ نبين فيه حداجة يديا ” ويتلوه اشهار أخر يرسخ صورة الحماة العجوز “الشريرة” تتربص بزوجة ابنها لتكتشف إن كان قد أجاد إختيار طباخة ماهرة،عفواً،زوجة عفيفة. ثم تنهال علينا قنوات الصرف الصحي بكاميرا خفية، هدفها الأول طبعاً إمتاع المشاهدين ورسم الضحكات على وجوههم. غير أنها تضحك على قدرتنا العقلية وتفقدنا شهية الإفطار. كاميرا مفبركة وتمثيلية سخيفة لا افقة فيها صاحب المقلب من الواقع فيه. نتلذذ بمرارة ما نشاهد وبحجم سخافة المواقف فاعلامنا العزيز يخاطبنا بلغة البلداء. ومن المعروف أن من واجب الإعلام أن يكون صوتاً للشعب وتطلعاته. لهذا، تنقل لنا كاميرا القناة الثانية أراء الشارع في مواضيع تهم الشعب المغربي قاطبةً. فتطرح اسئلة معقولة ” علاش المغاربة كيخليو اللحم هو اللخر في الماكلة؟” وتزيد الطين بلةً في تشيئيها للمرأة كجسد بسؤال ” شنو بان لكم إلى جابو مدربة للمنتخب الوطني تكون شهبة وعينيها زورق ؟ ” وهنا طبعاً لا يبخل علينا العقل المغربي العبقري بإجابات متقونة من شأن ” إلى وليت رئيسة الحكومة غانقس من الحرية ونزيد من الديمقراطية “. وكل هذا نستصيغه بمرارة ونحليه بالشربة الرمضانية في إنتظار المسلسلات علها تفلح في اضحاكنا أو حتى إبكائنا، المهم أن تحرك فينا ساكناً ! فنضيع بين مسلسل يصور لنا مغرب لا أراه إلا في التلفاز. فليس بين واقع العبودية الذي تعيشه الخادمات وبين الواقع المزركش للخادمة “مينة” على قناة medi1sat إلا البر والإحسان. ننتقل بين فضائياتنا، فتختلف عناوين السلسلات وتضل الرداءة واحدة. ويستفزني هجومها الخطير على المرأة الذي يمر مرور الكرام، ففي إعلام يجب أن يقوم ويرقى بمستوى الفكر الشعبوي دون أن ينجرف عن واقعه، نجد حوارات مبتذلة ومعجماً مسيئا ” خاصها راجل يسترها راها مسكينة بايرة” . جملة تفوه بها أحد الشخصيات من مسلل يعرض على القناة الثانية ” دور بها الشيباني” . كأن المرأة العازبة فضيحة يجب سترها ومسكينة همها الوحيد البحث عن ذكر قوام عليها. ثم تكتمل الصورة بتصوير المرأة العاقر “كناقصة” وغير مكتملة الأنوثة. “نتي ماشي مرة نتي عاقرة” قنبلة خرجت من فاه شخصية من سلسلة ” بنات للا منانة” . وبين كل صور الشر المتجسد في الأنثى فهي أفعى وشيطان مارد. كأننا نحن النساء لا نعيش إلا لنقتات من لحم قريناتنا ونكيد لهن المكائد، وكأن جل مشاكلنا محصورة بين “الزواج” و-“الطلاق” و الحصول على “مول الدار” حسب منطق هاته السلسلة التلفزية. ورغم كل هذا، ننهي وجبة الإفطار ونقفل تلفزاتنا ومعها تختفي شهيتنا. فأحس انني صرت أغبى كلما تفرجت على قناة مغربية، وأن صيامي لن يقبل لأنني أفطرت على مخدر يسكر.

من أنا لانتقد أداء الإعلام السمعي البصري ؟

لست سوى ضحية من ضحايا هذا الصندوق. السحري الذي يخاطبني بلغة التكليخ ويستصغر من قدرتي العقلية على التفكير 
أرجوكم، لنطفئ تلفزاتنا ونشغل عقولنا قبل أن تذوب لشدة الرداءة 
صيام مقبول، افطار شهي، وفرجة مؤلمة  
صورة

قالت الأم للولد كل البطاطس، قال الولد أنا لا أأكل البطاطس

قالت الأم للولد كل البطاطس، قال الولد أنا لا أأكل البطاطس، قالت الأم للعصا اضربي الولد قالت العصا أنا لا اضرب الولد قالت  الأم للنار  احرقي العصا قالت النار أنا لا أحرق العصا قالت الأم للماء اطفئ النار قال الماء أنا لا أطفئ النار قالت الأم للثور اشرب الماء قال الثور أنا لا اشرب الماء قالت الأم للجزار إذبح الثور قال الجزار أنا لا اذبح الثور قالت الأم للحبل اشنق الجزار قال الحبل أنا اشنق الجزار قال الجزار أنا اذبح الثور قال الثور أنا اشرب الماء قال الماء أنا أطفئ النار قالت النار أنا أحرق العصا قالت العصا أنا اضرب الولد قال الولد أنا أأكل البطاطس.   فأكل الولد البطاطس. 

هاته السلسلة المترابطة لعبة طفولية كنت انشدها منذ نعومة أضافري. فكنت استمتع بشذوذها المتضاد. ثم كبرت بضع سنين وصرت حلقة متراصة داخل هاته السلسلة الكبيرة في مضمون آخر. ولبنة صغيرة من هرم مجتمعي ضخم. فأنا أيضاً منذ أن ازددت وأنا أؤمر ” بأكل البطاطس ” . أؤمر بالرضوخ والإنصياع للمجتمع وضوابطه، أؤمر بالإيجاب دائماً، بالسير في القطيع وإلتزام الصمت . وهكذا عشت مدةً من حياتي ، كغيري من المواطنين الصراصير أقبل بكل شيء ولا أتساءل عن شيء. أعيش كالميتة المنصاعة. كل هذا لأنتمي إلى مجتمع، لأعيش ضمن منظومته، لكي لا أحس بالغربة.
ثم جربت لذة الرفض. حملتني الأيام والصدف ، ليوم قررت أن أصرخ من أعماق عيشتنا المقهورة ” لا ” . ويا له من إحساس! لذة راقية أن أتحرر من القيود وأزف ثورتي،شعور لا يوصف أن أرفض الظلم واستقبل بكل جوارحي معنى كلمة صغيرة مركبة من حرفين،تحمل في طياتها تاريخ الإنسانية. لام وألف . كلمة خشيت أن تنطق بها المجتمعات الشرقية وخصوصاً الأنثى الشرقية. لكن حبالي الصوتية أدمنت على رنات العصيان، وألفت التمرد. فصرت والبحث عن الحرية ذاتاً واحدة. أدمنت أعظم مخدر، مخدر الحرية . أدمنت تكسير الأغلال وتدخين أرجيلة ألإختيار. فصرت متمردةً بكل رقي، تمردت على الأفكار والمعتقدات،تمردت على العقول المفحمة ، على الأموات والأحياء ، على الأرواح الفارغة وعلى قلوب تهاب ألوان الطيف. تمردت على مجتمع يقبر الجمال ويطمر الحياة. تمردت على حاكم يتربع بعرشه على جمجمة المواطن الصرصور. تمردت على أشباه ذكور برجولة قرد، على جبروت القضيب الذكري، ورصعت صولجان أنوثتي. تمردت على جسدي وحملته رفقتي في رحلتي الإستكشافية بحثاً عن عروس الحرية. فرفضت “أن أأكل البطاطس” لأنها مرة،لأنني لا أريدها ولا أحبها. عرفت هذا العصيان السلمي مع إبن اشترك فيه مع أروع أناس قابلتهم ” إتحاد التلاميذ والطلبة من أجل تغيير النظام التعليمي” . ومع سلطانة الغضب الشعبي ” حركة 20 فبراير ” . وأقولها بكل إعتزاز، لولا هاذين الأخيرين لما سكنتني روح المتمردة، ولما قررت يوماً أن أبوح بهاته الكلمات وأن أخط بألوان الشباب هاته الأفكار. لولاهما، لما صرت ما أنا عليه اليوم. وهكذا نعت بالزندقة والإنحلال. لأن الأنثى الحقيقية لا تجرؤ أن تصرخ وتتمرد بل تنصاع وتبتسم بهدوء.
غير انني والهدوء لسنا في إنسجام .فأنا صاخبة وأحب لحياتي أن تكون صاخبةً كضجيج أفكاري العاصية. فأعلنت زفافي من الحرية وقرعت على طبول الثورة وزغردت زغرودة التمرد. لكنني نسيت أن في الحضور تختبئ أسرتي المحافظة ( وبأسرة أقصد أبي فهو رب البيت حسب قاموسنا الشرقي وما نحن إلا عباد منصاعين) تناسيت هاته النقطة “الصغيرة” . إلى أن قرار الحبل أن يشنق الجزار وقررت عائلتي المحافظة -أبي- أن تشنق أحلامي. إلى أن حملتني اليومية إلى هذا اليوم، وأنا ارتشف قهوتي المسائية الأخيرة قبل رمضان. وبداخلي جنازة صغيرة هادئة تصلي على بحثي على الحرية و الإستقلالية. لأن جبروته الذكري في اسرتي قرر انني عاهرة زنديقة منحلة، وآن الأوان لأن أجلس كغيري من النساء العفيفات الطاهرات. أن التزم الهدوء وأتربع في منزلي. عندما أصبح بحثي الأناني عن الحرية لب المشاكل الأسرية، وعندما صارت عجرفتي المتمردة سبب شقاء عائلة بأكملها، ولأحمي صديقتي الغالية ،أمي، من البطش الذكوري المجرم : أقرر أن أتنازل.

نعم بكل أسى أعلن انني أتنازل عن بحثي الدائم عن الحرية.
أتنازل عن تمردي المستمر.
أتنازل عن أفكاري الصاخبة.
أتنازل عن النضال الشريف

ولن يبقى لي سوى قلمي وحبري لادمي للعالم جراح مجتمع يهاب ألوان الربيع، أملاً أن لا يصادر مني هو الأخر.
سأصير ما تريد لي أسرتي المحافظة أن أكون .
طاهرةً عفيفة هادئةً، لأنني أحمل مسؤولية الحفاض على تراصها.
إذاً سوف ” أأكل البطاطس ” . وساغادر الشوارع وانزوي، سأقبر زندقتي الثائرة وسأستسلم لما أرادوا لي أن أكون

 ( إلى أجل غير مسمى )

رمضان مبارك للأصدقاء المسلمين، وشهر يوليوز سعيد للأصدقاء الغير المسلمين .  صورة

بدون عنوان .

(ملاحظة : هاته الكتابات خيالية ولا تمت للواقع بصلة وأي شبه مع الكائنات الموصوفة فهو محض الصدفة)
بداية . نقطة،إرجع إلى السطر.
تخيفني البدايات، وترهبني الأوراق البيضاء… لكنني عاهدت نفسي ألا اغادر المقهى حتى أخط طلاميساً مكتوبة جديدة .فروحي الفارغة تصرخ في وجهي أين أنت؟ من دون قلمي لا هوية لي. من دون قلمي أظل روحاً واهمة، تتسكع بين الأزقة. من دونه هو معشوقي الوحيد ، أصبح يتيمةً أرى العالم بالأسود والأبيض. من دونه أعانق أباريق الخمر وأجري وراء سحاب السجائر. من دون حضنه أبكي كالرضيعة بدون أم وأنا لست معتادةً أن أبكي . أذرف الدموع وأذرف الدماء وأقيء حزني . أنا لا شيء إن لم اكتب وإن كتبت أنا الوجود بأكمله ولا يهمني أحد. أصل لقمة نشوتي الطاهرة عندما تفيض علي بحبرك المقدس يا قلمي . فأرجوك ارحم بؤسي ، وخفف مآسي واذرف الكتابة. فأنا احتاجك وأنت وحدك تفهمني. في بعد الأحيان، أتوقف عن الكتابة. فأفقد التوازن لأن من عادتي أن أفضي بحزني إلى حبري وبفرحي لبنو البشر. ومن دون الكتابة، أين تذهب نوارس الكآبة؟ أسير كالسكرانة دون خمر ، فلست أجيد الحديث عن المشاعر سوى معك يا معشوقي! تضطرب كل جوارحي،أهيم كالميتة في عالم الأحياء! كيف أحاديث هوياتي الأخرى وكيف احتفي بجنوني من دون الكتابة. اللغة والأحرف هي حياتي وإن يوماً اعتزلتها ، فلا حل سوى اعدامي. هناك الكثير ليكتب عنه في هذا العالم عفواً هذا الكون أو الأكوان. سموها ماشئتم لكنني اخترت أن اتحدث عن الأرض التي أنبتتني ويسمونها هاهنا وطن. ويسمون حبي الفطري له “وطنية” وينعته اخرون “فاشية” أنا أجهل التسميات فهي سخيفة. لكنني أدرك ما أحس به وتحسه هاته الأرض إتجاهي فهاته التربة انجبتني وقضت بقية عمري محاولة أن تعدمني! لماذا أيها الوطن تأتي بنا لهذا العالم ثم تفعل المستحيل لتقتلنا ، ولنصير رماد بقايا “مواطنين” منذ أن ازددت وأنا احاكم في محكمة عمومية تسمى وطناً.
تاريخ إزديادي ؟ ٥/١٢/١٩٩٧
مهنتي ؟ تلميذة ومواطنة مقهورة.
تهمتي؟ محاولة العيش .
فكل من يحاول العيش هاهنا يحكم عليه بالنفي القاتل. فنحن شعوب نزداد لنحيا ونخدم اخرين يعيشون ويطلون علينا من الأبراج العاتية. نزداد لنسحق يومياً، فنحن شعوب الصراصير شعوب الذل، والركوع. نحن شعوب غير موجودة ممحية من اجندات التاريخ. فالعالم يرانا بدو في الصحراء نلعب الذار وننكح النساء. نحن شعوب الرقص الشرقي والموائد الفاخرة والكروش العامرة !أهلاً أهلاً !
نحن شعوب مسلمة بل مسلمة للوبيات الفساد وجلابيب قطر والأمريكان. نحن شعوب تهاب الكتاب وتهاب القلم ، تهاب الصراخ، تهاب كل شيء بل تهاب الحياة. نحن شعوب رضخت منذ فجر الزمن الغابر اتكأنا على الجدران الراشية ودخنا الأرجيلة. ومن حين لأخر نطل برؤوسنا الفارغة ونصرخ نحن خير أمةٍ أخرجت للناس. نحن حبسنا نساءنا في المطبخ واقفلنا عليهن في دواليب غرفنا نخرجهن في الليل كالوحوش ونرمي بهن على اسرتنا ثم نعيدهن لدوالبنا. من نحن؟ أنا لا أعلم من نحن؟ بقايا إنسان؟
لست أدري… أجيبوني من نحن؟!صورة