الفراشة الصامتة – قصة قصيرة –

 

عندما تندثر الآمال  و تتدمر  كأوهام طفولية لم توجد قط. عندما تصير الضحكات والبسمات مجرد همسات تؤنس الليالي الوحيدة وحينما ترفع راية الاستسلام البيضاء لملك الليل : الأرق .

هنالك بين أشجان الدجى و تضارب المشاعر : يخلق الفنان !

كانت تجلس  على النافذة ملتفةً في فستانها الأسود الضيق كرقعة من الثوب على جسد دميةٍ   منسية. تشعل سيجارتها، كالبرج الشامخ بين شفتيها المكتنزتين تمص منهما الحياة . جالسة و  وحيدة،  شابة فتية ترمق بعينيها اللامعتين صور حي قديم يترامى بين أصداء مدينة عتيقة. سيارات أوروبية،شارع،شجرة،كرة،طفل. يبدو أن الزمن في بعض الأحيان يتوقف من تلقاء نفسه فنسير وسط دوامةٍ من الصور الجامدة.

تهيم بين سحب ذاكراتها وتتذكر أيام كانت تحمل لعبها الملونة،تلك التي كانت في الأصل لطفل أوروبي إبن عائلة فرنسية كانت أمها “مي طامو” تعمل لديها كخادمة .  

تحمل لعبها، وتخرج ضائعة بين أزقة”المدينة القديمة “، تتمرغ في الوحل،تنسج حوارات مع الدمى كتلك التي كانت تسرقها من أفواه نساء الحي حينما تجتمعن. وتضل تلهو،والبسمة لا تفارق شفتيها العذراوتين . 

ذات صباحٍ ربيعي، خرجت تجري لتلتحق بفتيات الدرب. بالمقابل، في مثل ذاك الصباح الربيعي قبل سنة بمعملٍ تشابهت آلاته بعماله، في نصف أخر من الكرة الأرضية، أختار صاحب المصنع النوع الأرخص  من خيوط الأحذية من أجل الربح السريع . لكنه لم يتوقع يوماً أن هذا ألاختيار سينعكس على براءة فتاة لا حيلة لها  في الجزء الأخر من العالم ويكون سبباً في انعراج حياتها للأبد، ويرسم جرحاً في ذاكرتها لا يندمل قطاً ! 

وصلت الذاكرة بها لحائط مسدود،فارتعشت فرائصها تقززاً ورمت سيجارتها . قطعت حبل  نوستالجيا الليل الرفيع و الأليم،صوت تنحنحٍ ذكوري يفتح الباب . انتفضت من مكانها مسرعة ، فالعمل لا يرحم !  

كان هزيل البنية،تلتصق عظامه بجلده المترهل. يجر خطواته بصمت مقزز . كل شيء فيه كان مقززا، ابتسامته، صوته، مشيته، صوت انكسار عظامه كلما أحاط بها. كانت تحس بأنفاسه حول عنقها الأبيض قبلها بوحشية فأحست كأنه مصاص دماء يمص الحياة من عروقها رمى بها على السرير القديم ذي الشراشف البيضاء. تدلى ثعبانه كجريح حربٍ عاتية،أغمضت عينيها واستسلمت للمساته الشبه الميتة تنتشي  من جسدها المثقل كأفروديت الإغريقية. يصدر صوتاً كعواء كلب كلما يصل لقمة نشوته المريضة . يطبع قبلة على شفتيها ويرمي بورقة نقدية ويغادرها . فتغمض عينيها وتعود لعالم النوستالجيا و الأشجان تخنق الغرفة بالسجائر تارةً! وكم تصير همسات الليل معاتبةً وقاسية ! تعصف بذوي القلب الشجين وتغتصبهم مراراً.

فقدت الإحساس بالوقت كعادتها، ثم انتفضت من أحلامها متذكرةً قرب الموعد الأخر. الزبون الفاخر،ذاك الشيخ السعودي ذي الكرش الضخمة والأسنان من ذهب . دخل الغرفة وصفع الباب بعنف وسرعة . نظر إليها وتمعن في طيات جسدها من أخمص قدميها إلى تلألؤ شعرها الأسود تحت ضوء الغرفة المصفر . ثم ارتمى على جثتها كما يرتمي القناص على فريسته. كان عنيفاً كعادته السادية،وكانت متطلباته مقززة. لكن ماذا عساها تفعل ؟ 

تصرخ ؟ ترفض ؟ فات  الأوان ! لقد اعتادت الصمت فصار يتراقص مع أوجاعها ويخنع للمهنة اليومية . تلك الليلة تخطى كل الحدود ، تجرد من الإنسانية ، ضربها ، أدماها ، ربط رجليها ، وكبل يديها ، طلب منها أن تقوم بأبشع الصور . ثم ختم مسرحيته الوحشية بفعل مهين، احتقن الدم في أوصالها، عندما تبول  عليها وتركها نصف حية وهو يقهقه بنشوة عارمة. ثم أرسل سائقه مراد يحمل أوراقاً نقدية  ، تركها تحت باب الغرفة وغادر مسرعاً . لم تستطع ان تغادر سريرها تلك الليلة ، فبعد كل تلك المذلة ، ضلت حبيسة مكانها،سجينة تلك القذارة . لازلت تحس بسائله الأبيض يلتصق بين فخديها ورائحة بوله تتخلل خصلات شعرها المبتل . ضلت ساعتين تحدق في الفراغ تنتحب أحياناً وتبكي بصمت أحيان أخرى.  الصمت . تلك الراحة الزائفة والحقيقة المخيفة . ذاك المعطف القاتل الذي التفت حوله منذ نعومة أظافرها. بكل ما أتيت من قوة حملت نفسها كجثة،ولجت الحمام،اطلقت الصنبور واستمعت لخرير مائه كزمجراتها الداخلية . بدأت تمزق فستانها بأسنانها ، صرخت ،زمجرت ، بكت ، اختلطت دموعها بالمياه الجارية ثم عادات لصمتها الخانق ، توجهت نحو المرأة،  افلتت رداءها وضلت ترقب جسدها الشاب . عجباً ! لازلت جميلةً ، لازال جسمها الأبيض كصقيع الثلج الباريسي . نظرت ولأول مرةً منذ سنوات لعينيها . نظرت اليهما طويلاً  لتدرك أن الإنسانية لازالت تقطن بؤبؤيها ! حقاً ؟ أهي فعلاً إنسان ؟ وأي إنسانٍ هذا الذي يقطن كالفأر في جحر؟ إنسان لم يعد ينظر أحد قط لعينيه ولم يتمعن أحد في وجوده ! هربت من نظرات عينيها ، فقد كانت تكشف أكثر من اللازم .

 فجأةً أحست بحنين للحبر والورق . كانت الكتابة بساطها السحري الذي يفر بها من أزقة ‘حي التقدم’  إلى عوالم أخرى ، حيث تجد نفسها، تنذر بحياةٍ أخرى، وتتجرد من الزمان والمكان فتحس بالنشوة ! ليست كنشوة زبائنها الذليلة ، بل نشوة حرة ، راقية !  ارتدت معطفها بسرعة وكعبها العالي . كانت  تكره الأحدية ذات الأشرطة وكيف ترتديها بعد ما سببت لها من ألم ! أخذت تتجول بين أحياء الرباط . تلك المدينة الساحرة صباحاً والطائشة ليلاً . بين أسوارها ، تحكى قصص عديدة وتخط بصمت صاخبٍ كتبٌ إنسانية لا مقروءة . تلتقي بعض المتشردين المنسيين كباراً وصغاراً . يعيشون تحت سقف النجوم ويتنفسون أوهام مدينةٍ قاسية. في تلك الأزقة تختبئ كل الأسرار ، يكثر النشالون ، الحمقى ، السكارى و”بائعات الأحلام “، كما كان يحلو لها أن تسمي  نفسها وقريناتها .   توجهت لوراقة ، اشترت عدداً من الأوراق البيضاء وقلماً أسود . أحست كأن هاته الليلة ستقيء صمتها على الورق . توجهت نحو الحانة التي اعتادت أن تقضي بها الليلي بحثاً عن زبائن. لكنها ذهبت لتحتسي بعض الكؤوس ولتفضي بمكنوناتها لقلمها . 

استقبلها إيهاب الساقي بابتسامة كعادته،ابتسامة عهدتها كلمسة أم حنون تخفف أوجاعها . جلست أمام المشرب . فأردف والابتسامة لم تفارق شفتيه”كالعادة؟”أومأت رأسها بالإيجاب . مد كأس الكونياك ونظر إليها متسائلاً ” ما بالك الليلة ؟ لا تبدين كعادتك ؟ ”  أجابت بعفوية ” قررت أن أنهي الصمت “تعجبت لإجابتها لم تفهم كيف خرجت تلك العبارة كقذيفة من شفتيها دون انذار ! نظر إيهاب للورق بين يديها وأجاب ” إذاً أتركك لكتابتك ” ثم توجه نحو زبونٍ أخر . ضلت ساعتين طوال وهي تخط كلمات تبدو كطلامس سحرية على وجه الورق . كأساً تلو الأخرة ، عانقت زجاجات الخمر روحها الفارغة . ثم انهت .. كأنما الحبر جف والحروف انقضت . نظر إليها إيهاب بتعجب وقال ” يبدو ان الصمت انفجر”بحركةٍ  لاشعورية وجدت نفسها ترتمي بين أحضانه وتطبع قبلةً دافئةً  على شفتيه ، ثم تدفع الورقة  له وتقول “أنت صديقي الوحيد،احتفظ بها”ثم تترك قبلةً صادقةً على خده وتنصرف بهدوء . 

خرجت تترنح بين الحيطان وتبدو لها الدنيا كأفق لا متناهي . فتتراقص كوردةٍ ربيعية وتغني كطفلة شقية . أخدت تقفز برشاقة وتهيم في قهقهات لا تنتهي،فجأةً وجدت نفسها بين أسوار ‘المدينة القديمة ‘، في نفس ذاك الزقاق. ارادت أن تعود ادراجها هاربةً ,لكن ,قد فات الأوان ! وجدت نفسها محاصرةً بنوستالجيا قاتلةً من جميع النواحي .  فكل شيء هناك  يهمس . تذكرت،ويا ليت النسيان يهيمن! تذكرت ذاك الصباح الربيعي المشؤم ، تذكرت حذاءها الأحمر الجديد ، تذكرت دميتها الشقراء . تذكرت يوم  كانت تجري بسرعةٍ لتلتحق بالفتيات انفلتت شرائط حذائها الرخيص وتمزقت،فسقطت متعثرة . أدمت جرحها ، وبكت كثيراً . ثم ظهر وحش ، شيطان مارد جاء من جحيم بعيد متنكر في زي ملاك . كانت تعرفه  ” الفقيه ” . ذاك الرجل الصالح التقي ، إنحنى وطلب منها مرافقته لمنزله ليطبب جراحها . رافقته متعثرة. الحيوان … لم يستطع حتى أن يكبت حيوانيته حتى البيت،ففي الزقاق الخالي  حملها وثبتها على الحائط ، أمرها بالصمت . حمل جلبابه بأسنانه ، وأدخل سلاحه الفتاك بين فخديها الضعيفين بدء يزمجر و يحدث أصواتاً لم تفقه فيها شيئاً. كانت تحس بألم خبيث يخترقها ، حاولت أن تصرخ ، فأمسكها من شعرها وألقى بها أرضاً،  مزق فستانها الأبيض واغتاله بحيوانية . ثم تركها بين دمائها  ، كان المها يفوق الاف المرات ألم جرحها الذي بدى بسيطاً . وجرحها الدامي لا يضاهي بركة الدماء حولها . ظنت أنها ربما تحتضر،لم ترى ذاك الكم الهائل من الدماء قبل . حمل دميتها،اقتلع رأسها ثم زمجر”إن لم تصمتي سأقتلع رأسك”يا القحبة” ! ارتعشت،خافت،نحبت بهدوء. ارادت أن تركض بين احضان أمها ، غير أنها تذكرت هاته الأخيرة توصيها أن تحفظ الكنز بين فخذيها فهو مستقبلها ، وإن فرطت فيه فستعاقب أشد عقاب ” ، تذكرت مينة ابنة الجيران التي طردها أباها بعدما فقدت ” كنزها ” فصارت متشردةً حمقاء تطوف بين الأزقة . ثم تذكرته يصرخ ‘قحبة ‘ ؛ فهمت أنها السبب فيما حصل لها . هرولت بكل قوتها هاربةً نحو المجهول ، يبدو أنها لازلت تهرول بعد سنين،الطفلة داخلها تدفعها للجري تماماً مثل ذلك الصباح بكل قوتها ، كسفينةٍ عاتيةٍ نحو البحر .  وصلت لشط البحر المظلم كذكرياتها الجوفاء  . كادت أن تجن: هل يعقل ؟! 

هل يعقل أن كل هذا خطأها ؟ ! بكت وتسلقت أعلى الصخر ، صرخت ، تحدت صمتها تقيء ما ضل بداخلها ألفيةً من الزمن . ثم كالريشة الخفيفة ، أحست بالريح تتخلل خصائل شعرها اللامع ، وهي تتذوق دموعها المالحة . أغمضت عينيها بهدوء ، وألقت بنفسها . أحست كطائرٍ حر حر … لم تفكر في شيء ، لم تحس بشيء سوى السكينة . 

أحدث سقوطها ، ضوضاءً أطربتها, فقد تسنى لها أن تكسر الصمت قبل أن ترحل للأبد. طارت مع النوارس فوقها ، استسلمت لذلك الزائر الخاطف الجميل وتسنى لها انذاك أن تبتسم …. وترحل 

هي ، خاضت سكرات الموت واندثرت . تركت وراءها ملايين الأخريات . هي ، قصة صامتة أخرى . نغمةٌ في سنفونية الحزن الليلي . هي انتهت ونسيت و تركت لنا نحن البحث عن الفراشات الصامتات 

لترقدي بسلام ، فنحن ، قتلناك ! 

لذكرى  م.ه ،التي اختارت أن تصمت بهدوء. ولكل الفراشات الثائرات ؛  دمتن صاخبات ! 

 صورة                            Photo by Shadi Ghadirian

 

 

Advertisements

4 أفكار على ”الفراشة الصامتة – قصة قصيرة –

  1. نفسى الومها بس هقول ايه اختصبوها واختصبوا حريتها طفولتها حياتها باكملها
    الله يرحمها …ما اروع اسلوبك سناء

  2. عزيزتي سناء،
    قرأت للتو ” خربشاتك” وأحببتها كثيرا…لم يكن أسلوبك الراقي فقط هوالذي جعلني أن أقرأها واحدة تلو الاخرى…بل خيالك الواسع وتنوع المواضيع …وجرأتك الصارخة في التعبير وارتباطك بالواقع….واقع لا بتسع لكل اصناف البشر ولا يرم وطفولة الاطفال…
    سناء أنا فخور بك وأتمنى أن اقرا لك المزيد من هكذا الخربشات الجميلة!

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s