نوستالجيا إمرأة ؛ دون وطن

جلست ، ترتشف كوب قهوة مر، وتتفرج على المارة المجهولين ، كأنها تراهم من وراء حجاب ، يعزلها عن عالمهم ،فتتقوقع هي إلى جانب فنجانها و تلجأ مختبئةً بين الكلمات المتقطعة على جريدتها لبالية ! تنظر حولها ، وتستدير ببطء ، فتتراقص الأصوات وصور المحيطة بها  كأنها عرض لفيلم فرنسي كلاسيكي . تتحسر وهي تسمع قهقهات مجمع شباب حولها ، وتتألم حين تسرق نظرةً على العاشقين ولماساتهما السرية قرب النافذة ، ويسكنها بعض حنين وبعض إشتياق حين تسترق السمع لصوت شابةً تنشد بعذوبةً “عصفور طل من الشباك”  ! فتبتسم لأول مرةً منذ صبيحة ذاك اليوم الشتوي ، أو ربما كانت الإبتسامة حبيسة خيالها ، فقد تناست شفتيها العذراوتين معنى البسمة منذ مدة …. ! تتنهد  طويلاً ، كأنها تخرج باشمئزاز وبؤس ماعلق من حزن في تشعبات رئتيها ، وتتحسر ، تتحسر …  ! تتذكر ، وتغوص في حنين قاتل ، فتتذكر غدر الزمن ، وطعنات القدر، وخيانة الوطن ، خيانة الوطن …

ذاك الوطن البائس، فتلعن وتنقبض شفتيها ويتهجم وجهها ، وطن ؟ أي وطن هذا ؟  أهو تلك الزنزانة النتنة لتي قضت فيها نصف قرن أو ربما ألفيةً من الزمن ؟ أي وطن هذا ؟  صوت ثورة تدوي من وسط شوارع المدن الكئيبة ؟ أم الغد المجهول يجلى بعيداً  في أعين طيور الحرية ؟ أهي تلك لأيادي التي تخط الأحلام الوردية على أبيات شعر منثور ؟ أهذا هو لوطن ؟ أهي الكلمات الحرة وراء القضبان تتراقص على صوت صراخ المعتقل الظالم ! أم الوطن هي إمرأة تحمل الحطب لترجع ليلاً بيديها الداميتين وتقضي ساعة الدجى بين يدي رجل تمقته  و هي صامتة ، هل الوطن هو  أم هي ؟ أم هما معاً ؟ أم اللاشيء ، اللاشيء !

إذاً خانها اللاشيء ، خانها الوطن ، وجعلها منفيةً بعيداً عن أكاليل الياسمين و اللعبة المنسية ، خانها الوطن.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s